/مصداقية الإعلام العربي… أزمات متلاحقة ومصالح متصارعة

مصداقية الإعلام العربي… أزمات متلاحقة ومصالح متصارعة



تُثار الكثير من التساؤلات حول مدى مصداقية الإعلام سواء عربياً أو عالمياً، وهو ما دفع القائمين على معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب لعقد ندوة تناقش هذا الملف المتشابك. ندوة «مصداقية الإعلام العربي… هل ما زالت موجودة»؟ التي عقدت على هامش المعرض، تحدث خلالها عميد كلية الإعلام بجامعة فاروس بالإسكندرية الدكتور فوزي عبدالغني ورئيس قطاع المشاريع والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية الدكتور خالد عزب ومدير تحرير جريدة «الرأي» الأردنية حسين دعسة، وقام بتقديمها الكاتب الصحافي وائل السمري الذي اعتبر أن الفارق بين الأحداث التاريخية التي عاشها المجتمع المصري والعربي قديماً والأحداث التي يعيشها الآن هو فارق يتحكم فيه في شكل كبير تطور وسائل الإعلام والاتصال والتي انعكست على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن الآن، ومن هنا جاء السؤال حول مصداقية هذا الإعلام، بخاصة في ظل الأزمات التي تعيشها معظم الدول العربية، وتشابك القضايا الإعلامية مع القضايا الوطنية في شكل يومي أو لحظي، ووجود الكثير من المصالح المتصارعة حول هذه القضية، بخاصة مع ظهور إعلام رجال الأعمال وإعلام الدولة والإعلام الخارجي.

وأوضح الدكتور فوزي عبدالغني أن الدساتير في كل دول العالم تضمن حرية التعبير وحرية الإعلام، بما لا يخالف بعض الضوابط في القوانين، والتي تحذر من انتهاك الحرمة الخاصة أو السب أو القذف، ويقول: «من هنا، تأتي مناقشة قضية المصداقية، حيث إن التنافس الإعلامي أصبح ضخماً جداً ووسائل الإعلام متعددة، خصوصاً مع ظهور الإعلام الخاص أو إعلام رجال الأعمال وإعلام الدول وإعلام الأحزاب وإعلام الإنترنت، والذي ظهر فيه ما يسمى بالصحافي المواطن، فالتحديث التكنولوجي الذي أظهر مواقع التوصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون والراديو الأكثر تطوراً هو ما أبرز فكرة السبق والتغطية المتسرعة، وهو ما قد يفقدنا مصداقية وسيلة الإعلام أو الموضوع الذي تتناوله». وأشار عبدالغني إلى أن شركات الإعلانات تؤثر في شكل كبير في مسألة المصداقية، «فالإعلان قد يجعلك قادراً على زيادة نسب المشاهدة أو كثرة زيارة المواقع الإلكترونية، كما يُعد شريانَ الحياة بالنسبة للصحف، ولكن ما يُفقد الصحيفة مصداقيتها هو فكرة الإعلان التحريري التي أصبحت منتشرة بصورة كبيرة، فالصحافي يجب أن يكون محرراً فقط، ولا بد من وضع نوع من المحاسبة تمنع هذا النوع من الإعلانات».

اقرأ أيضاً  رؤساء دول وحكومات حصدوا جوائز نوبل ، تعرف عليهم..

وعن وكالات الإعلان التي بدأت تتحكم في سياسات الكثير من محطات التلفزيون والصحف وتمارس ضغوطاً عليها، أكد فوزي أن ترسيخ فكرة المصداقية تتطلب وجود أدلة وشواهد وإحصاءات ومراجع وتعدد وجهات نظر ووثائق مصورة وخبرات المصدر وتدريبات إعلامية، وأن نكون بعيدين كل البعد من الاهتمامات الشخصية، وقال: «من عيوب الإعلامي الخوض في موضوع لا يعلم عنه شيئاً. الكثير من الدراسات التي تناولت وسائل الإعلام أشارت إلى أن 80 في المئة من العينة يؤكدون انخفاض نسبة المصداقية في هذه الوسائل، نتيجة المعلومات المتناقضة، وتقديم وجهة نظر أحادية، وكثرة التحيز والتشكيك».

وأشار عزب إلى أن تعريف الإعلام، وفقاً للـBBC أكاديمي، هو فن سيطرة الأقلية على الغالبية، وكلما كان لهذه الأقلية القدرة على توجيه الغالبية والسيطرة على عقلها كان هذا الإعلام ناجحاً بصورة كبيرة. فلا يوجد ما يسمى بالإعلام المحايد، لكنه موجه بصورة كبيرة ويعبر إما عن ثقافة المجتمع أو توجه الدولة أو مالكي الأدوات الإعلامية. الإعلام لا بد من أن يمتلكه المجتمع ولا يمتلكه أفراد أو دول أو غيرها. هناك حقوق للمستهلك والمشاهد على وسائل الإعلام، ففي المنطقة العربية لا يوجد أي حق للمشاهد، وبالتالي فالشركات التجارية مثلاً تدمر الثقافة العربية تدميراً مستمراً بمحاولة تسطيح هذه الثقافة من طريق وضع إعلاناتها بصورة كبيرة في برامج مسابقات الأغاني التي لا تنتهي في المنطقة العربية أو في مسابقات وهمية تجرى إشاعتها في الوطن العربي، ونحن نحمّل طوال الوقت المسؤولية إلى التعليم وننسى أن الإعلام أو ثقافة الصورة هي الأساس الأول الذي يتلقى عبره الشخص المعلومة، فإذا كانت تميل إلى تسطيح الثقافة في الوطن العربي، فهذا يعني أن ليس لدينا ثقافة حقيقية من الأساس.

وحذر عزب من خطورة سيطرة الإعلام في تشكيل رأي المجتمع «حيث اتجهت الولايات المتحدة وأعقبتها ألمانيا والصين وروسيا إلى تكوين وحدات خاصة داخل جيوشها تتعلق بحرب المعلومات وتحليلها وبثها عبر الإنترنت أو التلفزيون، والتي تُظهر قوة الولايات المتحدة في الحروب، وبالتالي سيطرة الجيش الأميركي هي سيطرة الرعب على المشاهد عبر وسائل الإعلام الأميركية». وأشار عزب إلى أن أروع مثال في استخدام الخطاب الإعلامي كان الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي كان يُعد نموذجاً ناجحاً في بناء شخصيته الإعلامية، وشرح ذلك قائلاً: «في قريته ميت أبو الكوم كان يوجه خطابه لجموع الفلاحين والعمال، لكن في القاهرة يخاطب جمهوراً آخر بلغةٍ أخرى، وهذا هو تعدد مستويات الخطاب الإعلامي والتلقي الإعلامي، ففكرة المستوى الإعلامي الواحد هو ما يدمر المتلقي الإعلامي، ويعود ذلك إلى شبكة الإنترنت التي جعلت من المتلقي ناقداً ومحللاً، وإذا لم تنتبه وسائل الإعلام العربية إلى ذلك فستقع في خطرٍ كبير».

اقرأ أيضاً  الإعلام البديل هبة الثورة السورية

ويرى حسين دعسة أننا نعيش في عالم من التشتت الإعلامي والفكري والثقافي تقوده مؤسسات واضحة الرؤية، «فلا يستطيع التلفزيون الأردني على سبيل المثال أن يمنع إذاعة إعلانات المنتجات في وسط نشرة الأخبار، لأنها تشتريها بالكامل، فهناك مظلات قوية جداً تسيطر على سيادة المنتج الوطني، وإذا أردنا تحسين ذلك في المستقبل فسنصبح أمام مواجهات قانونية.
كما أن أكاديميات الإعلام تعاني الآن من الغزو الذي تبثه شركات تدعي أنها تمتلك حقوق كليات إعلام في نيويورك أو شيكاغو، والتي غزت الأردن وهي كليات مستقلة ولكنها تدرس الإعلام بالطرق الغربية، وبالتالي يكون لها تأثير في كل مسار الدولة». وأكد دعسة أن المسلسلات التركية عبارة عن إعلام موجه تحمل رؤى معينة لها علاقة ببناء المجتمعات وبناء الأسرة والدولة، ولها علاقة بتركيا الحديثة، إضافة إلى دبلجة الكثير من المسلسلات التي لها علاقة بتاريخ الدولة العثمانية تحديداً.

وعن مفهوم المصداقية، يقول: «أن تكون كل دولة عربية قائمة على نمط معين من الأداء الإعلامي وتمويل الخطاب، فلا مكان للدولة الضعيفة التي لا تستطيع مقاومة قنوات فضائية. أتمنى أن يكون إعلامنا قادراً على المواجهة خلال الثلاثين عاماً المقبلة لنعيد بناء ما فقدناه في مجتمعاتنا من طريق ربط قنوات البث العادي أو الفضائي مع واقع حاجاتنا التربوية في المدارس والجامعات، فنحن نحتاج إلى بناء قوة ناعمة في المدن والقرى والأرياف، فهي التي ستحمي أجيالنا المقبلة من الصراع الحادث الآن».

 

الحياة