/المَبني للمجهول أعدلُ للمرأة

المَبني للمجهول أعدلُ للمرأة



تعتبر أية لغة من اللغات الغنية خصوصاً تلك المتسمة ببلاغتها من حيث معانيها وبيانها وبديعها، كاللغة العربية ، بمثابة طوق نجاة، أو لنقل فيها طرق التفافية لتجنب الوقوع في جدل أو حتى إعطاء إجابات تتسم بالديبلوماسية إذا شاء محدّثها أن ينأى بنفسه عن الانزلاق في شَرَك ينْصبه آخرون .
قواعد لغتنا ، بمبانيها ومعانيها ، هي أيضا قواعد لطرائق الخطاب الذي يتوجه به المرء إلى غيره ، وهذا لا يتمّ إلا بإتقان الغوص في بحر لغتنا لتلمس دُرّها الكامن في أحشائه ، وانتقاء صدفاتها الجميلة والمعبرة . من هنا يمكن التحايل على مسألة التذكير والتأنيث في حال التوجه بالكلام إلى جنس من دون الآخر إذا كان في التوجه ضيم .

يمكن في هذا المقام طرح أمثلة . فعلى مستحضرات التنظيف وأدوات ومنتجات الطبخ ، إرشادات باللغة العربية إلى جانب الانجليزية ، وأحياناً لغات أخرى . كان من حظ المذكر والمؤنث في اللغة الإنجليزية أن يُخاطبا بالصيغة عينها ،على عكس لغتنا العربية التي تخصص للمذكر فِعله كما للمؤنث . لذلك وقعت تلك الإرشادات بالعربية في مطب وضع المرأة في قالب واحد، فكأنها المسؤولة فقط عن التنظيف وعن فن الطبخ ولا يتعدى دورها أكثر من ذلك .في المقابل هناك إرشادات بصيغة المذكر تتعلق ، مثلاً، بأجهزة “الكمبيوتر” أو بقيادة السيارة ، كما لو أن الأنثى عاجزة عن استخدام ما يستخدمه الذكور .

لا ينسى المرء أن هناك مِْن فصيلة الذكور مَنْ يعملون في التنظيف وفي المطابخ في الفنادق وفي المطاعم ، أو حتى في بيوتهم سواء بوجود الزوجات أو خلت منها ، وبالتالي هم يقرأون الإرشادات أيضا كما الإناث . من النافع ، إذنْ، تغيير صيغة تلك الإرشادات من أفعال الأمر المؤنثة إلى صيغة المبني للمجهول التي تنجينا من هذا المطب . وبدلاً من أفعال : أنزعي الغطاء…أحفظيه في مكان بارد… خضي العبوة جيداً…أغلقيها بإحكام …إبعديه عن متناول الأطفال ….إفقسي بيضتيْن….ضعي المسحوق….يمكن استخدام المبني للمجهول الذي يحافظ على المعنى ذاته فنقول : يُنزَع الغطاء.. يُحفظ في مكان بارد ..تُخضّ العبوة .. تُغلق بإحكام…..يوضع المسحوق …..إلخ ..حينها ينأى المرء بنفسه عن إناطة جنس من دون الآخر بدور التنظيف والطبخ . يا لَلمبني للمجهول كم هو عادل . !!

اقرأ أيضاً  الثورة المضادة في مصر والمماليك الجدد

لو كانت تلك الإرشادات تتعلق بما هو مقتصر على المرأة بحكم الفطرة وحُكم تكوينها “الفيزيائي” لما كان في الأمر ظلم . وأول ما يتبادر إلى الذهن هنا مسألة الحمل المقتصرة على “الأنثى” ، حينها لن تحمل الإرشادات المكتوبة على منتجات خاصة بها ظلماً لها .لأنها ببساطة موجهة إلى الجنس الذي يحمل ويلد . لذلك جاء وصف المرأة التي تحمل بجنينها بصيغة المذكر لا المؤنث لأن الأمر لا يشترك به الجنسان ،فنقول أمرأة حامل لا حاملة ، و مرضع لا مرضعة، إذ نكتفي بدلالة معناها على الأنوثة. وفي هذا الوصف الذكوري لها ظلم أيضاً باعتبار أننا لا نعطيها صفتها المؤنثة في حال تفردها بالحالة الموصوفة .

بقلم محمد أبوعبيد