/النقل المشترك «جنة» الخارجين على القانون

النقل المشترك «جنة» الخارجين على القانون



وصفت وسائل النقل المشترك في مصر سابقاً بأنها علب سردين حيث الأسماك شبه المهروسة متراصة فوق بعضها بعضاً. ثم سميّت «عنابر من حديد»، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. وفي زمن تبجيل المرأة واحترامها والحفاظ على مكانتها لأنها الأم والأخت والزوجة، تحولّت إلى مرتع للمكبوتين وملعب للمقهورين وحلبة للمأزومين. ومع الانفجار السكاني وإصرار لا يفّله الحديد على الإبقاء على نسب خصوبة مرتفعة ورفع رايات «كثرة العيال عزوة»، أصبحت هذه الوسائل معياراً لقوة التحمّل وصلابة الإرادة وعزيمة لا تلين تحت وطأة الاختناق أو ثقل التحرّشات أو ضغط الأجسام.
ثم كانت إرادة السماء التي تجلّت في إبداع المشاريع، فغزت شوارع مصر وحاراتها وأزقتها أشكال عدة ونماذج مختلفة وأحجام متفاوتة من وسائل النقل المشترك، لإنقاذ جموع المصريين والمصريات من براثن باصات عامة لا ترحم ومترو أنفاق تدهورت خدماته وسيارات أجرة ترفع شعار «للمقتدرين فقط».

لكن ما جرى في شوارع المحروسة بفعل النقل المشترك لم يكن على البال أو الخاطر، إذ تحوّلت إلى غابات ترتع فيها وحوش ضارية وكائنات هائلة تتخذ من مركبات «هذه الخدمة العامة» وسيلة لفرض السطوة، وطريقة لبسط السلطة، ومجالاً للتعبير عن الكبت عبر قواعد تشغيل وقيادة، تعلن تلك المركبات مناطق محررة من مراقبة الدولة وإنفاذ القانون، بل ومن سطوة قوانين الطبيعة.

قوانين الطبيعة التي تضرب بها عرض الحائط الغالبية العظمى من سائقي مركبات النقل المشترك تئن وتتوجع على مدار الساعة، ومعها ملايين من المصريين والمصريات المستخدمين لها على رغم أنوفهم وبغض النظر عن ظروفهم.

سمية (43 سنة) عاملة منزلية تسكن في منطقة مصنّفة أنها عشوائية، حيث عرض الشارع يسمح لجارتها المقابلة لها بنشر غسيلها في شرفتها. تحمد سمية الله كثيراً على نعمة الـ»توك توك»، فلولاه لاضطرت للمشي أكثر من 20 دقيقة لتصل إلى الشارع الرئيس لتستقل الميكروباص، وكلاهما وسيلة من وسائل النقل المشترك غير الحكومي.

اقرأ أيضاً  الأخبار برايل.. تخاطب المكفوفين وتفتح لهم مجال العمل الصحفي

تقلل سمية من شأن موبقات الـ «توك توك» الذي يقوده أحياناً أطفال لا يتجاوز عمر بعضهم عشر سنوات، ولا تلتفت كثيراً إلى حوادث يقترفها سائقون من سرقة حقائب نساء، أو خطف سلاسل فتيات، أو اغتصاب أطفال أو حتى دهس مارة، فكلها «حوادث فردية» ولا تعني توقف الـ «توك توك» لأنه «نعمة».

نعمة مملكة الـ «توك توك» التي تقدّم وسيلة نقل تخدم ملايين، لا سيما في المناطق العشوائية والقروية حيث انعدام تام لأي وسيلة مواصلات أخرى، تحوّلت عبر العقد الماضي إلى نقمة تفاقمت منذ أحداث «ثورة يناير»، حيث خرجت عناصر «المملكة» من الأحياء الشعبية والتجمّعات العشوائية إلى الشوراع الرئيسة بل والطرق السريعة، من دون ترخيص أو ضابط أو رادع.

الملاحظ أن الشكاوى العارمة من الـ»توك توك» لا تنبع من مستخدميه، بل من المجاورين له. هالة فتحي (24 سنة) أصيبت بكسر مضاعف في ذراعها قبل أشهر بسبب معاكسة سائق «توك توك» لها أثناء سيرها، إذ طرحها أرضاً بعدما لمسها أثناء القيادة. تقول: «منذ ذلك اليوم توقفت تماماً عن استخدام التوك توك، فهو غير مرخص والوصول إلى سائقه في حال حصول مشكلة من رابع المستحيلات».

ومن مملكة الـ «توك توك» إلى سلطنة سيارات «الربع نقل» المعروفة مصرياً بـ «المشروع». فأمام تشبّع وسائل النقل العام الجماعي بالمواطنين لدرجة تعدّت بديهيات الإنسانية وفاقت أبجديات الآدمية وأطاحت قواعد صحة الجسد والنفس، فإن منظومة النقل المشترك آخذة في التوسّع والتوغّل في كل ركن من أركان مصر بعيداً من أعين الرقابة الحكومية.

وأحدث المنضمين إلى المنظومة سيارات صغيرة مرخّصة ترخيص السيارات «الملاكي» العادية، والتي تعمل تحت أعين شرطة المرور في نقل المواطنين. إلى هنا يبدو الأمر مقتصراً على خرق القانون، لكن الخرق الأكبر هو لقواعد القيادة حيث يكاد لا يمر يوم من دون انقلاب سيارة أو اثنتين في عرض الطريق.

اقرأ أيضاً  الدعارة والعاهرات… وصف مصر فى أدب نجيب محفوظ

ويقول المهندس الميكانيكي مهاب أحمد إن «تلك السيارات تنقلب بسهولة نظراً إلى خفة وزنها في مقابل تحميلها 7 إلى 8 أشخاص أحياناً فضلاً عن القيادة الجنونية التي يقوم بها مراهقون وشباب، حتى أن بعضهم يطلق عليها اسم الرهوان (الحصان السريع)».

ومن مراهقي الرهوان إلى «عفاريت الأسفلت» حيث تكتمل منظومة النقل المشترك. إنها سيارات الميكروباص أقدم سبل النقل الجماعي غير الحكومي التي تحوّلت على مدار سنوات لتصبح منظومة قائمة بذاتها وأقوى من الحكومة.

وتقدّر الإحصاءات عدد مستخدمي الميكروباص يومياً بحوالى 16 مليون شخص في القاهرة الكبرى وحدها. في الوقت ذاته فإن صفحات الحوادث تشير إلى تمكّن قواعد البلطجة وهيمنة أصول العشوائية على هذا القطاع بدءاً بسائقيه، مروراً بمساعديهم (التباع) وانتهاء بالقائمين على تنظيم خطوط السير والمواقف وغيرها. أما الشوارع فتنطق بمآس وكوارث يقترفها أولئك أينما حلّوا، حتى بات «إرهاب الميكروباص» عبارة يعيها ضحاياه، وقدوة يحذو حذوها الأقران من «ربع نقل» و»توك توك» وما يستجد.

لقد جابهت منظومة النقل المشترك أزمة النقل العام الحكومي، ويسّرت انتقال ملايين المصريين يومياً. لكنها في الوقت عينه فتحت أبواب عشوائية الشوارع وكوارث المرور ومآسي الطرق على مصراعيها، جنباً إلى جنب مع هامش هوايات تتراوح بين السرقة والنشل والتحرّش والتعدّي والاغتصاب، من سائقين، حيث جنة العمل خارج القانون وعلى رغم أنفه. وصدقت العبارة المضيئة على خلفية الميكروباص الطائر «تهذر معايا أعوّرك تسبقني أطيّرك».

 

أمينة خيري – الحياة