/تأثير الصورة الرقمية في البرمجة الذهنية

تأثير الصورة الرقمية في البرمجة الذهنية



مع التطور التكنولوجي وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت الصورة الفوتوغرافية من مجال العمل الاحترافي لتصبح أداة سهلة في يد كل فرد يقدم بها نفسه بالطريقة التي يرغب، فمن سمات عصرنا الراهن أنه «عصر الصورة»، ما يعني هيمنة الصورة وسيادتها لتكون إحدى أهم أدوات عالمنا المعرفية والثقافية والاقتصادية والإعلامية.

ما نشاهده الآن مع الثورة الرقمية أعطى الصورة معطيات، فأصبحت دلالاتها لا ترتهن إلى مقاساتها التقنية وأبعادها الضوئية بل تنبع من المشاهد التي تعبر عن حدث ما أو مؤثرات من تدبير المصور.

يقول المصور رمزي حيدر أن الصورة كانت في الماضي تستطيع أن تحشد الرأي العام تجاه قضايا معينة وتغير مواقف وسياسات دولية، فإذا عدنا إلى ثمانينات القرن الماضي، كانت الصورة تحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى الناشر، إن كان «جريدة أو مجلة أو وكالة»… ومن ثم تحتاج إلى وقت للوصول إلى القارئ، فكانت الصورة تأخذ 3 أيام بعد تصويرها للوصول إلى القارئ. الآن فقدت الصورة قيمتها ودورها، فأصبحنا في عصر تصل الصورة الى القارئ في ثوان، ما أدى الى تراجع وهج تأثيرها على المتلقي، لأن الناس كانت تنتظر الصورة، أما الآن المتلقي فلا ينتظر شيئاً لأن هناك زحمة صور وأخبار على شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح كل من يحمل الهاتف مراسلاً وكل شخص يستعمل مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة مراسلاً.

وينتقد حيدر دور وسائل التواصل التي «ساهمت في ضعف تأثير الصورة والخبر، إضافة إلى عدم الاحتراف في التصوير، فالآن لا يوجد معايير محددة لالتقاط الصورة، ولا توجد ثقافة داخل الصورة، فالمصور المحترف يجب أن يملك مجموعة من العوامل: أولها أن تكون هناك شخصية في الصورة التي يلتقطها، ثانيها أن تكون لديه ثقافة القارئ، لتصل الصورة إلى أوسع عدد ممكن من المتلقين، فنحن نعيش في عصر التلوث البصري، ولم يعد هناك جمالية في الصورة».

اقرأ أيضاً  "ضبوا الشناتي" ... دراما الأزمة السورية

وتقول الاختصاصية النفسية فيروز العشي أن الإنسان يستنكر مشاهد الموت والعنف ويرفضها في بداياتها، لكن كثرة تكرارها تجعل العقل يتعود عليها، ما يلغي حالة الاستنكار أو الرفض. وتتحدث عن بحث أجري في الولايات المتحدة أظهر أن الأطفال في المرحلة الابتدائية يتعرضون لمشاهد عنف تتجاوز الـ20 ألفاً، فيستنكرها الولد في بداية الأمر أو من الممكن أن يحلم بها في الليل أو أن يسأل عنها الأشخاص الأكبر منه سناً، لكن مع تكراراها بكثرة يتعود عليها ويصبح طبيعياً بالنسبة إليه. بالإضافة الى هذا، هناك الأجهزة الذكية الحالية التي تحتوي على عدد كبير من الألعاب المتضمنة مشاهد قتل وعنف ليس من المفترض أن يتعرف إليها الولد أو أن يشاهدها، لكن عدم المتابعة أو المعرفة من جانب الأهل بحيثية اللعبة يجعل الخيال يختلط مع الواقع وهذا الأمر خطير جداً، فمن الممكن أن يختلط الأمر بين الواقع الذي يشاهده الأطفال في بلدان تخوض حروباً مثل سورية واليمن وليبيا وبين الواقع.
وهذا الأمر يبقى في اللاوعي لدى الولد ليظهر بعد ذلك على شكل قسوة أو عنف مفرط تجاه المحيط، مثل ضرب أصدقائه في المدرسة، لأن العقل اللاواعي يعطي رسالة للعقل الواعي بكيفية التصرف، ويصبح العنف بالتالي أمراً عادياً مقبولاً لدى الولد.

وتؤكد العشي أن السياسة تلعب دوراً أيضاً من خلال البرمجة الذهنية. فأولاً نشاهد صورة نتأثر بها، ثم يخرج مسؤول ليشكك في مصدر الصورة، وهنا يعمل الإعلام على جهات عدة منها الوعي واللاوعي والعقل.

كثرة الصور الموجودة اليوم تجعل القارئ لا يركز على حدث واحد، فعمر الصورة أصبح دقائق كي لا نقول ثوانيَ، وهذا الأمر ساعد على تراجع الصورة الذهنية وتأثيرها، فهي تموت رويداً رويداً نتيجة التضخم الحاصل.

اقرأ أيضاً  «الكتاب الإلكتروني» لتشجيع القراءة

الحياة – علاء سرحال