/الحرب في سورية ولدت كمّاً هائلاً من المعلومات… و الغموض

الحرب في سورية ولدت كمّاً هائلاً من المعلومات… و الغموض



باتت تكنولوجيات التواصل الجديدة توفّر كماً هائلاً من الفيديوات والتسجيلات والأخبار بسرعة فائقة، تكاد تكون فورية أحياناً. وقد تأتّى عن هذا التطور التكنولوجي السريع نوع جديد من الانكشاف المباشر على الأحداث التي تحصل في أماكن بعيدة جغرافياً من الجمهور في كلّ أنحاء العالم.


وبفضل هذه التكنولوجيات، أضحى بإمكان المستخدمين نشر ملايين الصور وشرائط الفيديو والرسائل المكتوبة على أكثر من منصّة على الإنترنت. فعلى سبيل المثال، أفاد موقع «فايسبوك» في عام 2013، بأن مستخدميه نشروا عليه 350 مليون صورة يومياً. وبفضل المحتوى، على غرار الفيديوات على «يوتيوب» الذي ينشره المستخدمون على الإنترنت، أو المواطنون الصحافيون، أو الناشطون، أو شهود العيان، ثمة كمية كبيرة من المعلومات الآنية والأولية حول أحداث مهمة كالنزاعات العنيفة، أو الكوارث الطبيعية، أو الأوضاع الخطيرة. من هنا، أصبح من المستحيل على الدولة احتكار تبادل المعلومات أو فرض الرقابة عليه. لا شكّ في أننا أمام كميّة أكبر من المعلومات، ولكن، هل نعرف أكثر عمّا يحدث؟

يعتبر الوضع في سورية السيناريو الأفضل الذي يجسّد هذه المعضلة الجديدة. والحال أن النزاع بدأ في عام 2011، أي تحديداً خلال الفترة التي شهدت تطور التكنولوجيات الرقمية ووسائل التواصل الجماهيري، عندما لم تعد الهواتف الذكية من الكماليات، وأصبحت بمتناول الجميع. ونتيجةً لذلك، نتج من النزاع في سورية كم هائل من المعلومات الآنية والأولية حول الأحداث الجارية. ولكن، هل يساعدنا هذا الكم الهائل من المعلومات الذي لم يسبق له مثيل، على فهم النزاع في شكل أفضل؟ وبالتالي، هل أحدث فرقاً؟
عندما بدأ النزاع، كان أحد أبعاده المهمة في مجال التواصل الجماهيري. فالسلطات السورية لم تسيطر على قنوات الأخبار الرسمية من تلفزيون وصحف فحسب، بل حاولت فرض الرقابة على المعلومات التي تتناول الأحداث الجديدة التي كانت تجري في البلد، كما قمعت الأصوات التي كانت تمثّل صوت المتظاهرين.

نعم، لقد باءت محاولات السلطات السورية الرامية إلى فرض التعتيم الإعلامي على الأحداث في البلد، بفشل ذريع. ويعزى السبب إلى انتشار وسائل التواصل الجماهيري في شكل واسع بين الناس اليوم. فإمكانية تصوير الفيديو ونشره عبر الإنترنت تحوّل الهاتف الذكي إلى دار نشر وصحيفة وقناة تلفزيون ومحطة إذاعية في حوزة الفرد. ويمكن أياً كان أن يصور فيديو ويسجّل رسالةً أو يكتب خبراً على هاتفه الصغير وينشره فوراً على الإنترنت ليراه الآخرون أين ما كانوا في كل بقاع الأرض. لذا، كان لا بدّ لأي محاولة فرض الرقابة أو الإسكات أن تفشل.

اقرأ أيضاً  بحث بلجيكي عن الحُبّ في بلاد العرب!

المواطنون الصحافيون
لقد أدرك الناشطون الثوار تماماً أهمية الإعلام. وقد كان لمجالس التنسيق المحلية كلّها وغيرها من الهيئات التي نظّمت الاحتجاجات ووفّرت الإسعاف والدعم الطبي، خلايا إعلامية. لقد صوّرت القمع العنيف الذي قابل الاحتجاجات السلمية ونشرت عبر الإنترنت كيف جابهت عناصر الأمن المحتجين العزل بالنيران. وقد استخدمت مواقع التواصل الاجتماعي على غرار «تويتر» و «يوتيوب» و «فايسبوك» لنشر رسائلها. كما بقيت على اتصال بالصحافيين في الخارج عبر «سكايب» لتزويدهم بالمقابلات ولطلب المساعدة.

واكتسب المواطنون الصحافيون المزيد من الأهمية عندما فرضت السلطات السورية حظراً على دخول الصحافيين الأجانب المعتمدين إلى أراضيها لتغطية الحدث. بالتالي، اضطر عدد كبير من قنوات التلفزيون الأجنبية الاتصال «بالناشطين الإعلاميين» للحصول على معلومات أو حتى تعليقات على أعمال العنف اليومية المتزايدة. كما نشرت قنوات تلفزيونية مهمّة الكثير من الفيديوات التي صوّرها أفراد، على رغم رداءة نوعيتها، لأنها شكّلت مصدر الصورة الوحيد المتوافر.

في عام 2011، كان ناشطو المعارضة السورية يأملون بأن يحشدوا دعم دول العالم من خلال اطلاعها على وضعهم. وكانوا يأملون بأن يسارع المجتمع الدولي ليس إلى دعمهم فحسب، بل أيضاً إلى وضع حد لمأساتهم. وقد سمحت التكنولوجيات الجديدة لهم توفير التقارير المفصّلة اليومية حول الأحداث الجارية. لم يشهد تاريخ الإنسانية من قبل على كمّ مماثل من الأخبار الأولية، معظمها من صنع أفراد هواة، تم نشرها على عدد من شبكات التواصل الاجتماعي، والتي توثّق يوميات الثورة والناشطين والمدنيين في خضم النزاع العنيف.

رواية النظام
أما استراتيجية النظام السوري فكانت مختلفة تماماً عن استراتيجية الناشطين المعارضين، ومفادها أن أعمال العنف تلك ما هي سوى وليدة الإسلام المتطرف (أي السلفية كما سميت في عام 2011) الذي تدعمه الدول المجاورة المعادية. كما أصرت السلطات السورية على أن الاحتجاجات لم تكن حركة اجتماعية وسلمية تتمحور حول مطالب سياسية، بل إنها محاولة تمرد من جانب مجموعات مسلّحة وإرهابيين. وتم توجيه هذه الرسالة إلى الجمهور في الداخل، أو جزء منه، وإلى المجتمع الدولي. وقد كان الهدف من هذه البروباغاندا تبرير أعمال القمع الواسعة النطاق والهجمات على مناطق برمتها بهدف كبت المعارضة.

اقرأ أيضاً  المخدرات الرقمية حديث الساعة

وعلى رغم أن رواية النظام السوري للأحداث بدت غير مقنعة تماماً في عام 2011، إلا أنها أصبحت معقولةً في السنوات التالية بالنسبة إلى الرأي العام الغربي. وثمة أسباب عدة تفسّر نجاح بروباغاندا نظام الأسد في حين أن رأي غالبية الحكومات الغربية والإعلام عموماً في هذه الدول سلبي حياله، وهي تدعم قضية الثوار. ومن بين الأسباب أولاً أن رواية نظام الأسد تعتمد على نماذج تخشاها الحكومات الغربية، ألا وهي الخطر الإسلامي والإرهاب. علاوةً على ذلك، وبعد إخفاق الاحتلال الأميركي العراق والوعود الكاذبة بإيجاد أسلحة دمار شامل وإحلال الديموقراطية، أصبح الجمهور الغربي يشك في نية أي تدخل في شؤون الشرق الأوسط.

وفي مقابل رواية النظام المقنعة تلك، لم يملك المنافسون سوى مقتطفات مصورة وحقائق مجزّأة لا تصلح لدحض هذه الرواية. وسرعان ما تلاشت قصة الاحتجاجات الشعبية المسالمة الساعية إلى الحرية في ظل ازدياد المعارضة تسلحاً وتطرفاً وقد تمركزت قيادتها في تركيا. وقد برر النظام السوري روايته بواسطة تكنولوجيات التواصل الجديدة عينها التي استخدمها المعارضون.
إلى ذلك، تم استخدام الانتهاكات التي ارتكبها مقاتلو المعارضة السورية التابعيين للجيش الحرّ لتغطية الانتهاكات المرتكبة من جانب قوات النظام السوري. لم تصدم همجية النظام السوري الرأي العام الغربي، إلا أنه صُدم من الجرائم التي ارتكبها مقاتلو المعارضة لأنها أتت متناقضة مع الرواية الأساسية حول الصراع من أجل الحرية. ومثلما لم يكن للمعارضة السورية قيادة سياسية، هكذا أيضاً لم يكن لها رواية مؤثّرة تبرر قضيتها.

الرأي العام والتواصل الجماهيري
للرأي العام قدرة محدودة للتركيز على الأخبار المعاصرة: فالفظاعات التي يصوّرها التلفزيون مروّعة، إلا أن تكرارها يجعلها غير مهمة ومألوفة. والسبب أن صور العنف حول المعاناة الإنسانية تثير فينا إحساساً بالشفقة، إلا أن تكرارها يولّد إحساساً بالعجز، ونقف عاجزين أمام هذا الكم من المعاناة. بالتالي، يتوقف الناس عن مشاهدة الأخبار حول العنف الذي لا يمكنهم كبحه، والذي لا يسبب لهم سوى الحزن. اليوم، بتنا نعرف، ولكننا لا نريد أن نعرف أن نشعر بعجزنا أمام المآسي.

اقرأ أيضاً  داعش.. عودة الجهاديين

تلك هي تحديداً مشكلة التواصل الجماهيري الذي يعتمد في شكل أساسي على الصور والفيديوات الصادمة، فهي لا تصلح سوى لبرهة زمنية وجيزة. وهذا هو السبب أيضاً الذي يدفع قنوات التلفزة إلى التوقف عن بث المشاهد حول الأحداث العنيفة الجارية في شكل متكرر. وهذا هو السبب الذي يجبر جماعات مثل «الدولة الإسلامية» أو «داعش» على الاستمرار في البحث عن صور أكثر فأكثر فظاعةً وسط كم كبير من الصور العنيفة المنافسة. وهذا ما يفسّر في شكل جزئي تمعّن التنظيم بأعمال الوحشية باستمرار، سعياً لاجتذاب أنظار الصحافة العالمية إليه.

وفي مقابل الكم الهائل من المعلومات المتوافرة، يحتاج الجمهور إلى صحافيين محترفين لا يختارون المعلومات التي سيوفرونها فحسب، بل والأهم، يفيدونه بحيثيات القصة الحقيقية. الأمر متناقض، وفي وقت تسمح لنا التكنولوجيات الرقمية التحقق من الوقائع التي تحدث على بعد مئات الكيلومترات، إلا أن الجمهور غير مهتم بمثل هذه التفاصيل، بل يبحث عن روايات عظيمة. هل ارتكبت القوات الموالية للنظام السوري مجازر الحولى ودارايا، أم إن مقاتلي المعارضة نفّذوها؟ هل قام الجيش بالهجوم الكيماوي على دوما أم الجيش السوري الحرّ؟ هل حدث هجوم كيماوي بالفعل؟ إذا لم يذكر الحدث في الإعلام الجماهيري، هل يمكننا اعتبار أنه حدث؟ على سبيل المثال، في اليوم الذي أحرق «داعش» الطيار الأردني حياً، مات مئات من الأشخاص أيضاً، من المقاتلين والمدنيين على حدّ سواء، إلا أن أحداً لم يتحدّث عنهم. بالتالي، نحن لن نعلم شيئاً عنهم.

اليوم، وفي خضم هذه المعركة، خاب أمل الناشطين الإعلاميين السوريين الذين برزوا في عام 2011، ولم يعودوا بالحشد عينه. إلا أن توثيق الفظاعات المرتكبة كلّها وبحذافيرها، مع التركيز على فاعلها، أمر مهمّ جداً، ليس بالنسبة إلينا اليوم فحسب، بل أيضاً للأجيال المقبلة، لأن حرب الروايات ستستمرّ، وستحدد شكل المجتمع الذي سنعيش فيه مستقبلاً.

 

فيكين شيتريان
الحياة