/الشباب المصري يخاصم الصحف ويشكك في التلفزيون ويلجأ إلى «تويتر»

الشباب المصري يخاصم الصحف ويشكك في التلفزيون ويلجأ إلى «تويتر»



يعلم كل ذي عقل وعينين وأذنين أن هذا الكم المذهل والحجم المرعب من البرامج الحوارية وفقرات الحوارات وساعات البث المتخمة بكم غير مسبوق من التسييس والاستقطاب، ومعها تلك الأطنان من الأوراق التي تزهق عليها الأحبار وتهدر فيها الأفكار وتطبع عليها الموضوعات والمقالات والصور والكاريكاتورات تتبخر في هواء الكهول والشيوخ والعواجيز والمسنين، ولا تتوقف إلا نادراً عند من هم أصغر سناً.في جلسة شتوية دافئة في المقهى الذي يجمع مساء عدداً غير قليل من صحافيي الجريدتين اليوميتين المتجاورتين، وغالبيتهم العظمى من الشباب، جرى الحوار التالي: «إياك أن تعتقد أن من هم في عمرنا يقرأ ما نكتبه». «بل يقرأه كثيرون والدليل واضح من التعليقات على الموقع». «أتحداك أن النسبة الغالبة منهم تعدوا سن الـ 35». «ربما! ولا ألومهم! فأنا أحياناً لا أصدق ما نكتب»! ضحك الحشد الصحافي الشاب وأبدى الجميع موافقته وتضامنه، وهو ما بدا واضحاً من التعليقات المتواترة بدءاً بـ «خبر جهود العدالة الانتقالية كان كفتة» (لا يعني شيئاً) مروراً بـ «مقال العدالة الاجتماعية التي تملأ البلد كان نفاقاً» وانتهاء بـ «تقرير الشعب الفرحان بالصقيع ونزول المطر كان مثيراً للسخرية».

لكن السخرية الحقيقية تكمن في أن الأخبار والمقالات التي يسخر منها الصحافيون الشباب هم من كتبوها وحرروها. وبحسب إحصائية صدرت أخيراً عن المركز المصري لبحوث الرأي العام «بصيرة» فإن 65 في المئة من الشباب المصريين المتراوحة أعمارهم بين 18 و35 سنة لا يقرأون الصحف الورقية، و28 في المئة يقرأونها أحياناً، و7 في المئة فقط يقرأونها دائماً.

علي الشناوي (19 سنة) يقول إنه أحياناً يجد نفسه مضطراً لمطالعة الصحف الورقية، لكنها مطالعة لا تضيف له الكثير، بحسب ما يقول. «في الأيام التي أعود فيها إلى البيت متأخراً يطلب مني والدي شراء الصحف الصادرة ليلاً، فأجد نفسي أطالع العناوين التي أجدها أشبه بنشرة أخبار مملة». وجهة نظر علي هي أن الأخبار المكتوبة تكون إما مبالغة في مدح النظام الحاكم أو انتقاده، «فلا هذا يخدم المواطن ولا ذاك يقدم له بدائل… قلتها أفضل».

اقرأ أيضاً  الاتصالات تجلب الثروة وليس محتواها

لكن علي لا يكتفي بالقليل، فهو حين يطالع كتابات أصدقائه على «فايسبوك» وتغريدات من يتبعهم على «تويتر» يشعر أنه ملم بما يجري من حوله. أما التلفزيون فلا يلجأ له إلا في حال أراد متابعة حدث على الهواء مباشرة، مثلما كان يحدث أيام الثورة وما بعدها من أعمال عنف لكن من دون الاستماع لتعليق المذيع وضيوفه. ويقول: «الصورة لا تكذب ولا تتجمل، أما تعليقات المذيعين وآراء الضيوف، ففيها الكثير من التسييس والتوجيه ولا أصدق أغلبها».

موقف علي موثق بالأرقام والإحصاءات، فتسعة في المئة فقط من الشباب المصري يصدق دائماً ما يرد في التلفزيون، و65 في المئة يصدقونه أحياناً، و26 في المئة لا يصدقونه إطلاقاً. نور فوزي (20 سنة طالبة إعلام) تحمل مسؤولية فقدان الثقة التي يكنها الكثير من الشباب، لا سيما المتعلم، إلى ما يرد في التلفزيون من آراء وحوارات. وتقول: «ما يبثه التلفزيون كل ليلة عبارة عن نموذج لما لا ينبغي أن يكون عليه الإعلام التلفزيوني بحسب ما ندرس في الجامعة. تحيز، انعدام موضوعية، فقدان صدقية، غياب شبه كامل للمعلومات، سب، شتم، استخدام ألفاظ غير لائقة والقائمة طويلة جداً».

طول القائمة التي تشير إليها نور أصبح بمثابة قوة طاردة للشباب الباحث عن معلومات أو آراء أو مواقف ذات صدقية. ويبدو أن البديل الذي يجمع أولئك على اختلاف انتماءاتهم وأيديولوجياتهم هو الشبكة العنكبوتية. تقول نور: «تويتر وسيلتي المفضلة لمعرفة ما يجري في مصر والعالم، سواء كان ذلك من خلال أخبار منسوبة إلى مواقع إعلامية وخبرية عالمية أم من خلال أفراد يغردون من مواقعهم ويتمتعون بصدقية على تويتر أو حتى الآراء التي يعبر عنها البعض. ويظل لنا مطلق الحرية في أن نصدق هذا أو نرفض ذاك، عكس دروس التلقين الليلية التي تبثها شاشة التلفزيون عبر الـ «توك شو» أو بالأحرى «التلقين شو».

اقرأ أيضاً  الحرب في سورية ولدت كمّاً هائلاً من المعلومات... و الغموض

واللافت أن «التلقين شو» يعتمد في إعداده وتحريره على كوادر شابة بنسبة طاغية، وأولئك كثيراً ما يعبرون عن انتقادهم لما يرد في برامجهم من محتوى إعلامي أو رسائل يراد بها التأثير على المشاهدين أو توجيه دفة الرأي العام إلى مسارات بعينها دون غيرها، لكن للضرورة أحكام. يقول أحمد م. (25 سنة معد برامج) أنه يعتبر عمله في إعداد أحد البرامج اليومية الليلية أشبه بالنجارة أو السباكة، فهو يعد مادة صحافية ومعها قائمة بالأسئلة والمحاور النقاشية معضدة بمقترحات ضيوف حتى وإن لم يكن راضياً أو مقتنعاً بالموضوع. «لكن راتبه في الجريدة التي يعمل فيها لا يكفي وهو متزوج حديثاً ويحتاج إلى دخل إضافي».

الإضافة التي تضيفها برامج الـ «توك شو» في شكلها الحالي لكثيرين من الشباب هي أن ثورة التغيير التي آمنت الغالبية بها وبحتميتها لا يمكن أن تقتصر على النظام السياسي فقط، بل يجب أن تمتد إلى العقول الرابضة وراء الإعلام. إلا أن الأمر بالغ التعقيد ومفرط في التشابك. فالشباب المتضرر مما يبثه التلفزيون وتكتبه الأقلام مشارك فعال في ما يُبث ويُكتب، حتى وإن كان ذلك على سبيل الاضطرار. تعترف نور بهذا التشابك الذي يصل إلى حد التناقض وتقول مستسلمة: «هو أشبه بسؤال البيضة والدجاجة المزمن. أيهما نبدأ به: إصلاح منظومة الإعلام أم تمكين الأدمغة التي تقف وراء منظومة الإعلام؟ وهل من إرادة حقيقية لمثل هذا الإصلاح؟! أشك».

تشك نور ويشك كثيرون من أبناء وبنات جيلها في مسألة الإرادة، ويكفي أن والد نور ووالدتها «مدمنان على برامج التوك شو».

 

أمينة خيري – الحياة



اقرأ أيضاً  الثورة المضادة في مصر والمماليك الجدد