/«سوريا الغد» … إلى الوراء درْ

«سوريا الغد» … إلى الوراء درْ



يحارُ مشاهد شاشة «سوريا الغد» في الاستراتيجية الإعلامية لهذه القناة التي من المُفترض أنها واحدة من القنوات السورية المُعارضة، والتي انطلقت باعتبارها جزءاً من «الإعلام السوري البديل»، إن صحّ التعبير، هذا الذي يطمح أن يكون تمثلاً لما عجز عنه الإعلام السوري الحكومي، على الأقل، ناهيك عن الإعلام السوري الخاص المؤيد له.
لكن النظرة إلى ما تعرضه «سوريا الغد» على مستوى الشكل والمضمون، سواء في برامجها أم فترات بثّها، سرعان ما تشير إلى أنها تنتمي إلى الماضي، أكثر مما تنتمي إلى اليوم، فما بالك بـ«الغد»! وتمثّل على غير صعيد نكوصاً يعاكس حركة التاريخ ويعاندها، بدايةً من تلك النبرة الممعنة في التقليدية المحافظة، حتى لا نقول الرجعية، وارتكاسها الواضح إلى ما قبل «الدولاتية»، و«المواطنة»، باعتمادها الخطاب الطائفي في شكل يكاد يتكرّر كل لحظة. ولا تنتهي عند سوء فهم واستعمال الصورة، التي هي أساس البثّ التلفزيوني.

كان الأصل في التلفزيون أنه انتقالة كبيرة إلى الإمام، من زمن السماع، إلى زمن الصورة، الذي كانت السينما قد أسّست له، بدايةً، فنقلها (الصورة) التلفزيون من حيّز النخب والصالات المُعتمة إلى البيوت والمقاهي والساحات والصالات… ووصلت إلى أجهزة الخليوي.

الأصل في التلفزيون أن ينشئ قطيعة مع الثرثرة اللامتناهية التي كانت سمة الإذاعة التي لا حيلة لها سوى بالصوت، فجاء التلفزيون بالصورة والصوت، معاً. بالألوان والإضاءة والعتمة والظلال، بالخطوط والبيانات والرسومات، ليبعث عاملاً مختلفاً لا علاقة له بخمول الاستماع، وليفتح الآفاق على البصر والتبصّر والبصيرة.
لا يبدو أن «سوريا الغد» آبهة بهذا كله، وإلا فما معنى أن تخصّص برنامجاً بعنوان «مع تمام»، يسترسل فيه الصحافي بسيل من كلام لا يكاد ينتهي، في محاولة منه لإعادة بناء تاريخ سورية والمنطقة كلها من خلال الحكي، ووفق روايته الشخصية؟ ما الجدوى أو الفائدة من العودة إلى القصّ الشفهي في زمن الصورة، والوثيقة والأرشيف الذي لا يكاد يترك تفصيلاً إلا وفيه شذرة منه؟

اقرأ أيضاً  «السيدة الأولى» و «لعنة» كرسي الرئاسة

يمكن للمشاهد (ولا نتفق معه في هذا كثيراً) أن يغفر لصحافي من طراز محمد حسنين هيكل، على ما فيه من هنات، وعليه من مآخذ، وهو يطلّ في برنامج «مع هيكل»، فهذا رجل عرف مراكز صناعة القرار، وخباياه. ولكن هذا لا يبرر العودة خلفاً إلى زمن الكلام (الحكي)، في زمن الصورة والوثيقة والتسجيلات المسموعة والمرئية.

ليس الموضوع هو الاتفاق أو الاختلاف مع رواية «مع تمام» للتاريخ القريب، الذي تمتلئ الأرشيفات العربية والعالمية بصوره ووثائقه، وسبق لغير مخرج أن هيأ برامج وحلقات وأفلاماً وثائقية بصدده.

ندرك أن للتاريخ روايات، ولكل شأنه. ولكن ما يجري على «سوريا الغد»، لا يعدو أن يكون إلى الوراء درْ.

 

بشار إبراهيم

الحياة