/رعب ولمسات هوليوودية في إعلام الدولة الاسلامية

رعب ولمسات هوليوودية في إعلام الدولة الاسلامية



باللون البرتقالي نفسه الذي يرتديه مسجونو “غوانتنامو”، ألبس تنظيم “الدولة الاسلامية” الصحافي الأميركي جيمس فولي. اكتمل المشهد مع خلفية صحراوية قاحلة تغيب فيها اي حركة. كل التركيز على الأميركي الذي يخاطب شعبه وعائلته وعلى سفاح ملثم يحمل سكينه ويرتدي ثياباً سوداء جعلته يشبه “النينجا”.


إنه لغز يحيّر العالم في براعة “داعش” في استخدام الاعلام وتكتيكات مؤثرة في نفوس الاخرين، ونُقل عن أحدهم أن أهالي قرية بأكملها في العراق عندما شاهدوا أعلام سوداء ترفرف من بعيد سارعوا في الهروب. ومن الواضح أن “داعش” يستخدم وسائل اتصال متطورة من تطبيقات وافلام مصورة بكاميرات حديثة ومواقع الكترونية، ولديه مصورون ومخرجون ومنتجون، ليظهر مدى تطوره وقوته في السيطرة والتوسع وامكانياته في الوصول إلى المجتمع الغربي.

“رسالة الى أميركا”

من الواضح أن في تصوير الفيلم واعداده لمسات اخراجية عالية، أكان في اختيار شخصية  تتقن اللغة الانكليزية تسهّل على الأميركي والمجتمع الغربي استقبال الرسالة “الداعشية” أو في تعدد اللقطات المصورة للرجلين أو في وضوح الصوت، حيث استخدم “مايكروفون” من نوع “نيك مايك” خاص للصحافي، فضلاً عن الترجمة إلى العربية أسفل الشاشة. وكان لافتاً قطع الصورة بعد وضع السكين على رقبة الأميركي الذي لم يحاول الهرب أو التعبير عن الخوف بالصراخ، وهناك من أعاد سبب قطع الصورة عند المباشرة بالذبح إلى عدم براعة المتحدث في القيام بالمهمة، وحتى لا يطول الفيلم ويظهر ارتباكه وهو يفصل الرأس عن الجسد قبل ان يقوم احدهم بمساعدته، اقتطع المشهد وانتقل إلى صورة بات فيها الرأس على جثة الأميركي.
“رسالة إلى أميركا” هي الجملة التي استهلت الفيلم، لترفع من حجم أهميته على انه يخاطب دولة بكامل مكوناتها، وأعدّ بطريقة هوليوودية عالية لاختراق المجتمع الاميركي عبر تحميل الرئيس باراك اوباما شخصياً مسؤولية “سفك دماء شعبه”، وانتهى باطلالة لاميركي آخر يدعى ستيفن غول سوتلوف، وقول ذابح الرؤوس: “حياة هذا الاميركي يا اوباما تعتمد على قرارك القادم”.

اقرأ أيضاً  «الكتاب الإلكتروني» لتشجيع القراءة

تعتمد “الدولة الاسلامية” في افلامها على “مؤسسة الخلافة” للانتاج الاعلامي، ومنها ما ينشر عبر مؤسسة “الفرقان للانتاج”، كما نشر فيديو عُنون بـ”كسر الصليب ووانتصار دولة الاسلام” أشرف على انتاجه “ترجمان الأساورتي للانتاج الإعلامي”، ويندرج ايضا ضمن الحملة الدعائية لـ”للدولة” في مواجهة أميركا، حيث عرض تفاصيل دخول القوات الأميركية إلى العراق بحجة “وجود أسلحة دمار شامل” أيام الرئيس جورج بوش الابن، وانتقل إلى أيام اوباما ليشير إلى ان الادارة الاميركية اليوم تستخدم الوسيلة نفسها “الارهاب”، لدخول العراق، ومجموعة من اللقطات التي تحرك نفوس الاميركيين: “جنود يبكون، ودبابة تنفجر وقناص يقتل الأميركيين بسهولة…”، ولوحظ استخدام صوت سيّدتين في الفيلم واناشيد، ما رجح أن يكون الفيلم لجهة مساندة لـ”الدولة” وليس “داعش” رسمياً.

حرب الكترونية

ليس الفيلم الأول الذي يظهر مدى قوة الحرب الدعائية التي تمارسها “داعش”، فهي سبق وأصدرت مجلة “دابق” باللغة الانكليزية، ولديها حساباتها الخاصة على موقع “تويتر”، حيث تعتمد اسلوب “الولايات” مثل “ولاية نينوى”، “ولاية الأنبار”، “ولاية دمشق”، “ولاية الرقة” وغيرها، إلا أن الملاحظ أن حربا الكترونية وقعت منذ أيام، حيث ازيلت كامل حسابات “داعش” بما فيها “الولايات” عبر “تويتر” ليظهر حساب جديد باسم “الدولة الاسلامية” @A_dawla يطلب دعم المغردين لينتشر من جديد، فهي تستفيد من اعادة تغريداتها من الأنصار، وتكفي تغريدة واحدة من حساب موثوق وتنتشر المعلومة في دقائق، خصوصاً وأن هناك حسابات عديدة تدّعي أنها رسمية للدولة. كما ازيل فيديو ذبح جيمس فولي عن محطات كثيرة على موقع “يوتيوب”. كما تعتمد على مواقع الكترونية اسلامية ومدونات باسم الدولة، وجميعها من أجل اخافة الناس من جهة وفرض حضورها، فضلاً عن انها وسيلة للتجنيد. وللاشارة أن “جبهة النصرة” تعتمد الأسلوب نفسه وتقنيات متطورة جداً.

اقرأ أيضاً  “الإسلام المعاصر الوجه الآخر” والقضايا الجدلية

بث الرعب

ويصف رئيس “هيئة السكينة الاسلامية” أحمد الأيوبي اعلام تنظيم الدولة بـ”المحترف جداً والمركّز والهادف ويتمتع بالقدرة على انتاج إعلام حربي وليس خبرياً وترويجياً فحسب”، ويلاحظ أنه “خلال التغطيات الاعلامية يعتمد منهجية ثابتة في ايصال الأفكار”.
ويعيد ممارسات “الدولة الاسلامية” واظهارها اعلانياً إلى مسألتين، “الأول لتعبر عن ردة فعل على ما تعرض له سُنة العراق وجزء كبير من الشعب في سوريا من قطع للرؤوس من الميليشيات الايرانية واغتصاب واحراق للناس وهم أحياء، والثاني أنه يراد من هذا الاعلام بث الرعب الشديد في صفوف الخصوم وارهابهم خلال المواجهات الميدانية، وظهرت نتائجه في مناطق كثيرة، حيث فضل الكثير عدم المواجهة والهروب او النزوح أو مغادرة الاماكن التي يقترب منها تنظيم الدولة على المواجهة والتعرض إلى ما شاهدوه في افلام الفيديو”.

ويأسف الايوبي “لغياب أي اعلام اسلامي مضاد يواجه منطق التنظيم أو يبيّن حقائق الواقع في هذا الصراع الذي يضيع فيه الاعتدال ويظهر الموازاة بين الديكتاتور الذي يدعي محاربة التطرف وبين المتطرفين أنفسهم”.

أميركا لن تتراجع

ويتوقف السفير السابق في أميركا رياض طبارة عند مدى أهمية الفيديو بالنسبة إلى الموقف الأميركي تجاه ما يجري في العراق وسوريا، موضحاً أنه “في العادة يكون رد الفعل الاول للاميركي بالتضامن مع الدولة والحكومة والجيش، وفي حرب فيتنام حصل هذا الأمر، لكن بعدها “بتروح السكرة وبتجي الفكرة”، ويبدأ التساؤل عن موت الاميركي وسبب تواجد أميركا في بلد آخر وغيرها من التساؤلات”.
لا يرى طبارة أي تاثير للفيديو على الموقف الأميركي ويقول: “لا اعتقد أنه من اجل فيديو او ذبح اميركي تتراجع واشنطن عن ضرباتها في العراق وإلا سيعتبر الامر انكساراً بالنسبة إليها، خصوصاً أمام منتقديها، ففي فيتنام حصلت فظاعات ولم تتراجع”، مضيفاً: “من الممكن أن تضرب عظمتها أو صيتها لكن ليس فيديو مذل كهذا بامكانه أن يوقف الضربات”.

اقرأ أيضاً  الشبكات الاجتماعية تثير الشكوك في صدق الميديا الألمانية

تغيير القرارات

الحملة الداعشية برأي طبارة لن تؤثر على الرأي العام الأميركي، ويشير إلى أن “الأميركي يتلقى معلوماته من الصفحة الأولى من الصحف ولا يدخل في امور معقدة وتفاصيل”، وأعطى المثال على الاستطلاع الذي أظهر أن 54% من الأميركيين قالوا انهم موافقون على ضرب العراق، لكنهم في الأساس لا يعرفون اي شيء عن هذه الدولة، وغالبيتهم لا يعرفون اين تقع ولهذا نثبت أن الرد الفعل الأميركي الأول عادة يكون خلف دولته وجيشه”، ويذكر بأن “الاميركي غير مسيس مثلنا ولا يقرأ سوى العناوين”، معتبراً أنه “من الممكن أن تكون الحملة الاعلامية “الداعشية” من جملة مؤثرات لكنها ليست الأساس في تغيير القرارات الاميركية”.

محمد نمر – النهار