لم يشأ مخرج المسلسل السوري "باب الحارة" المخرج بسام الملا أن ينهي مسلسله بحل القضية المحورية في المسلسل (سرقة ذهب أبو ابراهيم ومقتل الحارس أبو سمعو) وذلك باعتراف السارق الإدعشري وندمه وموته بعد سلسلة من العقاب الإلهي الشديد، بل ذهب المخرج إلى حلقة أخرى انتهت بمقتل بائع الفول المسكين وبطلاق (أم عصام) بكلمة قالها (أبو عصام) بكل برود، وخرج بعدها ليجتمع مع زعيم الحارة وأعيانها بحضور أخ المطلقة وغياب أخيها الآخر وكأن شيئاً لم يكن.
هذا المسلسل (السياحي) الذي قام بمهمة كبيرة في تعريف المشاهدين العرب بالتراث الشامي القديم، وخاصة مظاهر دق الكبة وصنع المعمول والمكدوس والمحشي واليبرق وتفصيل جهاز العروس، والذي حاول أن يقدم صورة رمزية عن الصراع بين الخير والشر تمثل بحارة الضبع المثالية (حارة الأكابر وذوي الأيادي البيضاء والخيّرة) وحارة أبو النار (حارة الدواسيس والعواينية والبلطجية) ، كرّس العمل من جهة أخرى مظاهر سلبية انتهى زمانها ومكانها وولى بغياب شمس القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في زمن أكثر ما نحتاج فيه إلى بناء مجتمع واعٍ متفتح الذهن ومتحرراً من تبعات الاحتلال العثماني الذي لم يكتف بإيقاف حركة الحضارة العربية لأربعة قرون بل أعادها قروناً أخرى إلى مجاهل الظلمات. فبينما تسعى الحكومات إلى افتتاح المدارس والجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات والمعاهد العلمية والفنية، والمهرجانات الثقافية والسياحية، وحملات التوعية تجاه الحقوق العامة وتحرير المرأة ورعاية الطفولة ومكافحة الجريمة، يعيدنا هذا المسلسل بأجوائه إلى عصر الحريم حيث لا كلمة للمرأة في بيتها المغلق، ولا حق لها بمناقشة زوجها ومخالفته الرأي وإلا كان مصيرها مثل مصير (أم عصام) وإلى عصر (الأبضايات) و (الشبريات) حيث الرجولة بالقتل لا بالعقل وبترك أثر أو تشويه على وجه الضحية، كل ذلك في مجتمع زعامي برجوازي يحكمه الرجال ويمثله الكبار من الأغنياء الذين يمارسون سيطرتهم على باقي أفراد الحارة، وإن كانت هذه السيطرة "سيطرة أبوية" لحماية مصالحهم وصون حقوقهم. وبينما تسعى الحكومات إلى حماية الأطفال والاهتمام بصحتهم وتوعيتهم وتربيتهم كجيل للمستقبل، يظهر الطفل (ديبو) في أحد مشاهد المسلسل مع خاله (أبو حاتم) ويقول بكل ثقة وفخر "أنا صرت رجّال .. بدي أركيلة" ولا يتأخر الخال الأب بالقول "أحلى أركيلة تخدم شواربك". وبينما تسعى الحكومات إلى توعية المرأة وصون حقوقها وتوعيتها وتوعية المجتمع صحياً وثقافياً وعلمياً، يزوج الإدعشري ابنته الوحيدة إلى (أبو دراع ) صانع (أبو النار) ليتخلص من همها ومصروفها قبل أن تبلغ العشرين من عمرها، ودون أن تنطق بحرف واحد، وتتهامس النسوة عن الفتاة الصماء البكماء (زهرة) التي تعرض كل نساء الحارة عن تزويجا لأولادها خوفاً من ولادة أطفال بمثل حالتها، ويزوجها أباها أخيراً من صانعه رياض بعد أن يهبه بيتاً كبيراً وحصة من المشغل، أما مشاكل الحموات والكنات الأزلية والتاريخية في مجتمعنا فلم تغب ربما عن أي حلقة من حلقات هذا العمل. وفي أعمال أخرى لم تغب أدوار الدعارة واللصوص والقتلة وتجار الجنس والأسلحة والمخدرات والفساد عن جميع هذه الأعمال، في وقت تجتمع فيه الأسرة بشيبها وشبابها وأطفالها لمشاهدة مجموعة كبيرة من الناس تهتف بحياة أحد هؤلاء المجرمين وتقيم له الاحتفالات والمهرجانات الخطابية في حملته الانتخابية للوصول إلى المقعد النيابي. إذا كان من وظائف الإعلام الأساسية تثقيف المجتمع، ونشر الوعي وتسليط الضوء على مظاهر الخطأ والفساد في المجتمع وعلى الجوانب السلبية فيه، فهل يستدعي ذلك كل هذه الأساليب وكل هذا الزخم، وتكثيف كل هذه الجوانب في ثلاثين يوماً وأكثر! وإذا كان الجزء الأكبر من المجتمع من الشباب الواعي المتعلم، والذي قد لا يتأثر كثيراً ولا يصدق كل ما يراه ويسمعه، فماذا عن الجزء الآخر الذي يثق بالتلفزيون ويعتبره مصدر ثقافته الأساسي وربما الوحيد بعيداً عن المدارس والجامعات..!! وماذا عن الطفل الذي يخرج من مدرسته، وبدل أن يذاكر درس العلوم عن أضرار التدخين، ودرس الديانة عن أبغض الحلال، يشاهد طفلاً مثله يطلب الأركيلة، وأباً مثل أبيه يطلق أماً مثل أمه بأعصاب هادئة !! هل سيخرب الإعلام في كل عام خلال شهر واحد ما تبنيه الحكومات وتعده وتخطط له في دهور؟ الزيارات: 4719
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |