|
أصبح الشباب الجامعي محوراً للاهتمام على المستوى الوطني وعلى جميع الميادين. والشباب الجامعي من وجهة النظر العلمية يمثلون جماعة أو شريحة من المثقفين في المجتمع بصفة عامة، إذ يتركز مئات الألوف من الشباب في نطاق المؤسسات التعليمية، مما يعطي هذه المؤسسات التعليمية أهمية كبيرة على الصعد كافة.
وتعد المؤسسات التعليمية والجامعية خاصة أداة للتنشئة الاجتماعية »أو إعادة التنشئة الاجتماعية« لا يقل دورها في ذلك إن لم يزد عن دور الأسرة، وهذا يعني أن الجامعة مسؤولة عن تعليم الشباب الجامعي أنماطاً سلوكية جديدة تختلف في الأغلب عن تلك التي يتمثلها في محيط أسرته، إضافة إلى تكيفه مع الأدوار المهنية والاجتماعية التي فرضها ويفرضها التغيير الاجتماعي الواسع الطارئ ودمجه في النظام الاجتماعي الجديد، ولتحقيق تضامنه معه من خلال الارتباط به عقلياً وعاطفياً.
ويعد التعليم العالي عموماً، والجامعة خصوصاً، كما يقول عالم الاجتماع الأمريكي بارسونز، جزءاً حاسماً بشكل خاص من بنية المجتمعات الحديثة، وهي على مستوى النظام الاجتماعي ذات وظائف هامة جداً. ومن أهمها وظيفة التنشئة الاجتماعية وتوزيع الأشخاص في النظام التعليمي المهني وتقديم المعرفة وتعميم العوامل التي تقوم عليها المشاركة الوجدانية في البنى الاجتماعية الحديثة. ويؤكد بارسونز أن الجامعة تقوم بدور أساسي في التنشئة الاجتماعية لا يتجاوز دور كل من الأسرة والمدرسة فحسب، بل ويكمله. ويتضح هذا الدور في تنمية »السلوك الاستقلالي« عند الشباب الجامعي إلى أبعد مما يفعله المنزل والمدرسة من هذه الجامعة. إن الجامعة، بحكم تنظيمها الاجتماعي، تجسد مجموعة من القيم تشكل الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة. فهي بكل تأكيد جزء من المجتمع الحديث، ولا يمكن تصور قيامها بتنظيمها الاجتماعي- النظامي في مجتمع لا يتسم بالعقلانية والتجديد. وبالتالي من المفروض أن تسهم الجامعة، من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية والتعليم اللذين توفرهما لطلبتها، بدور أساسي في بناء الشخصية الحديثة. ولكي تحقق الجامعة هذا الهدف ينبغي أن تعمل على تكثيف البحث العلمي في مجال الشباب الجامعي لاستكشاف مشكلاته ومعرفة احتياجاته واتجاهاته، ذلك أن التخطيط للشباب في مجتمع شاب- كالمجتمع السوري- هو تخطيط للمستقبل. وفي ضوء البحوث العلمية الميدانية التي تناولت الشباب الجامعي بالدراسة والتحليل، نستطيع أن نحدد أهم الإشكاليات التي يواجهها الشباب الجامعي، والتي تعوق انطلاقه وقدرته على الإسهام الفعال في مسيرة التطوير والتحديث الجارية في المجتمع السوري: 1- يعد غياب مشاريع التنمية الاقتصادية والمخططات العملية التي تهتم بقضايا الشباب وتطلعاتهم المستقبلية- خاصة من قبل القطاع الخاص- عاملاً مساعداً على طمس وضياع طاقات وكفاءات هذه الفئة البالغة الأهمية. وتشكل البطالة إحدى المظاهر الكبرى لتهميش الشباب، فبعد أن كانت مشكلة البطالة في سورية حتى أواخر السبعينيات لا تمس سوى بعض عناصر الشباب غير المتعلم وغير المؤهل، فقد أصبحت هذه المشكلة تطول منذ الثمانينيات عدداً هائلاً من الشرائح الشابة، وخاصة الجامعيين. وبالتالي أصبح الطالب الجامعي يعيش قلق البطالة بعد تخرجه وهو على مقاعد الدراسة، مما يؤدي إلى انخفاض الروح العلمية الحماسية للاهتمام بالتعليم الجامعي والبحث العلمي. 2- أما من الناحية التربوية التعليمية، ورغم الإصلاحات المتتالية في الأنظمة التعليمية الهادفة إلى تحسين وسائلها ومسالكها، فلا تزال تشكو من نواقص وقصورات كثيرة. فبرامجها التربوية تبدو غير ملائمة إن لم نقل متجاوزة، وذلك بفعل جمودها وفشلها في تحقيق رغبات الشباب الجامعي وتطلعاتهم المعرفية والثقافية والمهنية. 3- هناك مسألة ازدواجية التربية، إذ إن الأنظمة التعليمية تتبنى النص المكتوب. ففي هذه الثقافة بستوعب الطالب النص المكتوب، كما يستوعب الطفل في الكتاب نصاً مقروءاً »مسموعاً« قُرئ، فيردده كما يسمعه، أي دون أن يقرأه فعلاً، أي دون أن يفسر معانيه. بهذا يتحول القارئ من متفهم للنص ومعانيه إلى مستمع يردده وينقله دون أن يستوعبه، وبالتالي يصبح الكتاب الجامعي الوحيد نصاً مملى على الطالب من فوق لا سلطة له إزاءه. 4- إن الشباب الجامعي- خاصة في العام الأول- يستشعرون الحيرة والقلق، فهم لا يعرفون ميولهم الحقيقية، ولا مدى ذكائهم ولا كيفية اختيارهم لمستقبلهم المهني، وهذا أيضاً يضعف من فاعليتها في الإسهام من أجل تحديث المجتمع ونهوضه من خلال التخصص في المجال المهني الذي يرغبونه. 5- وعلى المستوى الثقافي، غياب سياسية ثقافية واعية ومتفهمة لهموم الشباب وتطلعاتهم. وأزماتهم القيمية والفكرية والإيديولوجية والحضارية، التي من المفروض أن تعمل على تحسين الشباب الجامعي بمكانته ودوره الريادي. إضافة إلى التناقض الذي يعيشه بين الثقافة التي تروجها المؤسسات التعليمية عبر المقررات الدراسية، وأشكال النماذج القيمية والسلوكية، وبين ما تروجه مختلف مؤسسات ومجالات العولمة من قيم مغايرة. ومن المظاهر البارزة لممارسة هذه الثقافة من قبل الشباب، التردد بين الميل إلى التماثل والاندماج الثقافيين، وبين الرغبة في التمايز والاختلاف الثقافيين. فهناك من جهة أولى ميل هؤلاء إلى تجاوز الماضي وتخطي واقعه المأزوم عن طريق الاشتراك مع الآخر- الأجنبي- في حضارته وثقافته ولغته ونمط عيشه، وهناك من جهة أخرى رغبة هؤلاء الشباب في التشبث بالماضي وأصالته والدفاع عن الهوية الثقافية عن طريق التمايز والاختلاف عن الآخر وعن مقوماته الحضارية والاجتماعية والثقافية مع المتغيرات التي يطرحها المجتمع الحديث. موقع نساء سورية الزيارات: 1601
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |