|
الشباب السوري بعد مرحلة التغييب السياسي |
|
|
|
يحيى الأوس
|
|
Sunday, 21 May 2006 |
يتحدث البعض عن الحراك الاجتماعي، بوصفه حالة بدأت تعرف طريقها داخل الحياة العامة في سورية، وعلى الرغم من تفاوت الآراء في اعتبار هذه الحالة قائمة فعلا، أم هي مجرد هامش صغير منح عن عمد وسرعان ما سيتم إلغاؤه عند الضرورة، بدليل حالات الاعتقال التي وقعت لناشطين تجاوزوا بعض الخطوط. إلا أنه من الضرورة بمكان الأخذ بالاعتبار أن مستجدات ومتغيرات الوضعين الإقليمي والعالمي يجعل من هذا الحراك أمرا واقعا لا يمكن لأحد تجاهله أو قمعه إلى الأبد.
وفي خضم هذه الحالة التي يُعوّل عليها إحداث تغيير ما على مدى السنوات المقبلة تطفو على السطح أزمة الجيل الشاب في سوريا كواحدة من أخطر الأزمات التي تواجه خيارات الانتقال إلى المرحلة الجديدة، وذلك بما لهذه الفئة من دور مفترض في أية عملية تغيير قد تطال بنية المجتمع السوري.
وكنتيجة طبيعية لحالة التغييب التي مارستها السلطة على فئة الشباب لمدة أربعة عقود تبدو المشكلة أعمق، لأننا صرنا أمام كتلة بشرية ضخمة تفتقد إلى التجربة وتحمل ذاكرة ضئيلة، كتلة غير قادرة على ادراك حقيقة أنها أداة التغيير الفعلي، ضائعة بين سياسة الإملاء التي ظلت تمارس عليها، وبين دورها المفترض من أجل الخروج من القمقم.
ما الذي حدث؟
بداية لا يمكن القول أن الفئة العمرية التي تندرج تحت اسم الشباب في سوريا والتي تتجاوز الـ 65% من عدد السكان تمتلك صفات مشتركة أي أن لها بداية ونهاية، ومعالم واضحة، وإذا كان عامل السن يوحدها، فإن عشرات الاختلافات تفرقها، كالحالة الاقتصادية والوضع التعليمي والجنس وسواها وهذا يعكس حالة من التشرذم التي تعيشها هذه الشريحة، فما هي الظروف التي أدت إلى هذه الحالة ؟
لقد خضعت شريحة الشباب في سوريا إلى سياسة احتواء مبرمجة، طبقتها عليها السلطة منذ الأيام الأولى لتسلم حزب البعث الحكم في سوريا، فكان الاتحاد الوطني لطلبة سوريا في نيسان 1963 ثم اتحاد شبيبة الثورة وفي العام 1973عندما وُقِع قرار تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية، تم إصدار قرار يحظر على أحزاب هذه الجبهة الهزيلة أن تنشط داخل أوساط الطلبة أو الجيش، وبهذا تحقق للبعث أن يبقى المسيطر الوحيد على هذه الشريحة، وذلك قبل اندلاع أحداث الثمانينيات وما حملته من متغيرات ساعدت السلطة في إحكام قبضتها على العمل السياسي في سوريا، وذلك في ظل حياة سياسية فقيرة تم اختصارها في عدد من الأحزاب الهزيلة الممثلة في الجبهة الوطنية التقدمية، وبالتالي القضاء على أي فرصة محتملة لجيل الشباب بالخروج عن إرادة السلطة أو على الأقل الخروج عن الأيديولوجية البعثية.
وهكذا صارت هذه الشريحة مستباحة للمنظمات الحزبية التي عملت على احتكار تمثيلها والتحدث باسمها وبالتالي طمس معالمها ومصادرة أفكارها وميولها، فكانت النتيجة شريحة اجتماعية يطلق عليها اصطلاحاً الشباب تحمل ذاكرة السلطة، يجمعها المكان لا الفكر ولا القناعات الصادقة، هشة، مجوفة من الداخل ومرتعاً للوصوليين والانتهازيين.
الأزمة في سياقها الاجتماعي
فشلت البحوث والدراسات العربية -على قلتها- بالتعامل مع أزمات الشباب في الوطن العربي وتعاملت معها بعيداً عن إطارها الاجتماعي، في الوقت الذي لا يمكن معه فصل هذه الأزمة عن السياق الكلي لأزمة المجتمع، ومع غياب الأرقام والدراسات العملية التي تعكس تأثر الشباب في سوريا بالأزمات الاجتماعية والاقتصادية يبقى الشباب السوري في حالة تماس مع المأزق السياسي الذي وُضِع فيه، فإما الانخراط في الهيكليات السياسية المتمثلة بالمنظمات والاتحادات التابعة للسلطة، وإما الصمت والإقصاء الكامل، وهذا كله في ظل ارتفاع معدلات البطالة في البلد وترافقها مع ضعف التأهيل وانعدام الخبرات العلمية للطلبة المتخرجين من الجامعات السورية مما يجعل استيعابهم في القطاع الخاص أقل، خاصة إذا ما علمت أن القطاع الحكومي المترهل عاجز عن استيعابهم وغارق في متاهة التضخم الإداري، وهذا ما يدفعهم بالمحصلة للهجرة إلى الخارج من أجل العمل.
من أجل تجميل الصورة
تدرك الحكومة أنها في مواجهة أزمة حقيقية فيما يتعلق بشريحة الشباب في سوريا وهذه الأزمة هي نتيجة طبيعية لممارسات السلطة السورية مع فئة الشباب خلال أربعين عاماً مضت، وتحت ثقل أهمية هذا القطاع وتأثيره على خطط التنمية عامة، حاولت الحكومة التعبير عن اهتمامها ومحاولة استدراك الأزمة فقامت بمجموعة من المحاولات تجاه هذه الفئة كمشروع مكافحة البطالة، و تخفيض الخدمة العسكرية، ثم توزيع عدد من المساكن الشعبية على شرائح الشباب، تنظيم احتفالات للزواج الجماعي، السماح لأحزاب الجبهة بالعمل في صفوف الطلبة، لكن هل يعد هذا كافيا لتجاوز الأزمة التي يعيشها الشباب السوري، إذ أن إنعاش هذه الشريحة يحتاج إلى إعادة النظر بكل المفاهيم والقيم التي طُبقت عليها من أجل إعادة روح المبادرة إليها وخلق شخصيتها المستقلة بعيداً عن تأثيرات الفكر الحزبي الرسمي وبالتالي فرز واضح لرموز هذه الشريحة ممن هم قادرون على النطق باسمها وتمثيلها حقيقةً وهذا يتطلب من الحكومة إعادة النظر بآلية عمل نقاباتها الحزبية -المسيطرة على هذه الفئة- والتي تدور في فلك الأجهزة الأمنية.
الخروج من الأزمة
لم تتمكن فئة الشباب في سوريا أن تقوم بأي دور فاعل في الحياة السورية خلال العقود الأربعة الماضية وذلك بسبب عوامل الضغط والتأطير التي كانت تُطبق عليها، مما جعلها كتلة بشرية مهمشة عاجزة عن المشاركة الاجتماعية الفاعلة لصالح المصاعب والهموم الحياتية العاجلة والشخصية للشباب، ومن أجل عودة الروح إلى هذه الفئة هناك مجموعة من المسائل التي يجب البدء فوراً بمعالجتها وهي:
1- مشكلة العمل التي تُعتبر جسر العبور بالنسبة للشباب عقب حالة التغييب الاجتماعي والسياسي نحو المساهمة المجتمعية.
2- رفع الوصاية عن هذه الشريحة بحيث يُسمح للشباب باختيار المنهج السياسي بشكل حر ودون تدخل أي جهة حكومية في هذه الخيارات.
3- ضمان المشاركة السياسية وخاصة خارج إطار النقابات والاتحادات.
4- الحق في المعرفة بعيداً عن التعتيم وفرض الرأي بقوة الإعلام الرسمي الموجه والحق في الحصول على إعلام حر يعكس حقيقة هذه الشريحة وهمومها وأحلامها.
5- الإنفاق على التعليم بما يحقق تأهيل فعلي للطلاب، وبما يمكنهم من دخول سوق العمل.
6- إيجاد المؤسسات والتنظيمات الشبابية التي تمكن هؤلاء من التعبير عن أنفسهم وعن رغباتهم السياسية والاجتماعية في إطار هذه المؤسسات التي تمتلك القدرة على تطوير إمكانياتهم نحو المشاركة في رسم سياسة المجتمع. الزيارات: 991
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |