|
لم يخطر في بال أحمد يوماً أن ينتهي به المطاف موظفاً مجهولاً في إحدى دول الخليج العربي مع عشرين آخرين من السودان وموريتانيا ومصر. فبعدما جرب كل الوسائل الممكنة وعلى مدى خمس سنوات لتحقيق طموحاته المتواضعة أو كما يسميها ساخراً «البنية التحتية» في وظيفته الحكومية في دمشق، لم يتمكن من شراء الشقة التي كان يحلم بها ولم يف بوعده لأمه الراغبة بتزويجه قبل أن ترحل عن هذه الدنيا.
بحثاً عن الراتب والتقدير يروي أحمد (33 سنة) خريج العلوم السياسية من بيلاروسيا، أن قراره بالسفر كان صعباً جداً عليه خصوصاً أنه يبدأ غربة بحثاً عن راتب أفضل وتقدير معنوي بات منسياً لما يحمله من مؤهلات تكتظ بها سورية... والرحلة هذه المرة، في كل الأحوال، مختلفة عن رحلة الدراسة التي استغرقته ستة أعوام «جميلة». يقول: «كان راتبي في وظيفتي الحكومية لا يتجاوز 200 دولار على رغم أنني أحمل شهادة ماجستير، وهذا بالتأكيد مبلغ تافه لا يكاد يكفي مصروفي الشخصي فكيف والمطلوب مني تأسيس العائلة وامتلاك منزل»؟ أحمد الذي جاء ليمضي اجازة قصيرة في بلده ليس حالة استثنائية بل نموذجاً لآلاف آخرين دفعتهم الظروف المعيشية والبطالة الى السفر الى دول الخليج في الغالب للعمل برواتب لم تعد كما كانت عليه قبل عقدين من الزمن. لكنها في كل الأحوال أفضل من المتاح في سورية. تلك الظروف دفعت خالد (32 سنة) أيضاً الى توقيع عقد العمل مع احد المراكز الصحية الخاصة في السعودية بعدما فقد الأمل في تحقيق ما يطمح له كما يقول. ويضيف هذا الطبيب الذي أنهى اختصاصه في جامعة دمشق في قسم الأمراض الداخلية: «استأجرت بعد التخرج عيادة صغيرة في احدى الضواحي الشعبية وزودتها بتجهيزات بسيطة عبر قرض مرهق. وبعد صبر دام ثلاث سنوات، وجدت أنه لا بد من السفر من أجل شراء عيادة ومنزل والزواج». ويضيف: «مضى على عملي في الرياض سنتان حققت فيهما ما لا يمكن تحقيقه في وضعي السابق خلال عشر سنوات». خالد اشترى أخيراً شقة «معقولة» سيسكن فيها مع والدته وشقيقه، وأخرى سيحولها عيادة قريبة من المنزل. وبدأ منذ اليوم يجهز نفسه لدفع «بدل» الخدمة الالزامية ليحقق بذلك «الدفعة الأولى من أحلامه» كما يقول. ويضيف الشاب الذي ما زال يعاني من وحشة الغربة: «أعمل براتب أقل بكثير مما يناله زملائي في اختصاصات أقل، لكنني مضطر لقضاء نحو عامين آخرين قبل العودة نهائياً الى بلدي». وتزدحم الصحف السورية بعشرات الاعلانات عن فرص عمل في شتى الوظائف من الطب الى عالم الأعمال والفندقة خصوصاً في الامارات العربية المتحدة وقطر والسعودية مع اغراءات برواتب خيالية والسفر الفوري. وحقّق الشباب المهاجر نجاحات مهمة لم تخرج عما كان يتوقعه بالمعنى المادي، كما يرى خالد. لكنها في الوقت عينه «ضريبة الغربة التي ندفع ثمنها كل يوم بعيداً من العائلة والحي والأصدقاء وكل ما يجرى في بلدنا». ويضيف: «كنت أفضل عدم السفر والبقاء في بلدتي الصغيرة التي يعمل أطباء آخرون فيها في شكل جيد لكن امكاناتي لم تسعفني في تأسيس شيء على الأقل». الغريب هو الفقير ولا يوافق عمار على الكلام عن «الغربة الموحشة» كما يقول ساخراً، ويضيف ان «الغريب» هو الفقير ولو كان في بلده، ويؤكد الشاب الذي بدأ عملاً في قطر: «لا أنكر الظروف القاسية التي أعيشها في الدوحة وانشغال الناس من كل الجنسيات في العمل لكنها في كل الأحوال اكثر راحة من معيشتي في قريتي الصغيرة عاطلاً من العمل على رغم أنني مجاز في الاقتصاد وبمعدل جيد». ويضيف: «أعتبر نفسي محظوظاً في الحصول على وظيفتي التي أقوم بها اليوم ضمن شركة للخدمات المالية تعطيني كل يوم خبرة جديدة فضلاً عن راتب خيالي لمن مثلي في سورية». سلاف (24 سنة) تعمل مضيفة طيران في احدى الشركات العربية، وتعتبر نفسها محظوظة بعملها الهادف الذي تقوم به حالياً الى «تحسين وضعي المادي أولاً وأخيراً». «أخذت اجازة طويلة بلا أجر من وظيفتي الحكومية في سورية على رغم معارضة والدي في البدء ونجحت في مسابقة اختيار المضيفات التي أعمل فيها حالياً». وتضيف: «اشتريت منزلاً صغيراً وسأشتري قريباً سيارة خاصة لم أخل يوماً أنني سأمتلكها». ويرفض محمد (28 سنة) تصوير السفر الى الخليج كأنه ظلم أو فيه قسوة على الشخص، ويعتبر عمله الحالي في الامارات حلماًً على رغم صعوبة تأقلمه في الفترة الأولى. ويضيف هذا الشاب الذي يعمل في مجال التصميم الداخلي، أنه شخصياً غير مستعد للعودة الى بلده الآن بعدما لمس حجم التطور الهائل في العمل من تجهيزات وآفاق تبدو حلماً بعيد المنال في سورية. ويشير الشاب الى ظروف عمله السابقة في سورية في احدى شركات البناء حيث كان يعمل أكثر من 12 ساعة يومياً ولم يتمكّن من ادخار سوى «مبلغ تافه» بعد أكثر من ثلاث سنوات من الكدّ. أما اليوم، فقد حسّن عمله من وضعه المادي وطوّر امكاناته حسبما يقول. ويدخل سوق العمل سنوياً في سورية نحو 250 ألف شخص فيما تشير الأرقام الرسمية الى أنّ نسبة العاطلين من العمل تصل الى 11.1 في المئة من الشباب أو ما يعادل نحو 584 ألف شخص غالبيتهم تراوح أعمارهم بين 20 و 24 سنة. الزيارات: 1021
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |