|
دار الحياة
|
|
Saturday, 11 March 2006 |
|
قبل مئة عام طرد الطالب الشاب طه حسين، وكان وقتها في السابعة عشرة، من الأزهر على خلفية حوار بينه وبين أحد أساتذته حول ما يجوز وما لا يجوز في الحوار حول أحداث التاريخ الإسلامي القديم. ومنذ ذلك الحين سلك الشاب الأعمى، الذي كان يدعى طاهر حسين، طريقاً مختلفة ستبوئه مكانة لم تتغير في تاريخ الأدب العربي في القرن العشرين؛ بل إن أسئلة النهضة وحرية الفكر والتعبير وحق التعليم، مثل الماء والهواء، وحوار الثقافات، ما زالت هي نفسها التي نسألها بعد مئة عام. غيّر الرجل من طريقة نظرنا إلى الأدب العربي القديم حين فكك الرؤية التراثية للشعر الجاهلي في كتابه «في الشعر الجاهلي» فأثار غضب المؤسستين الدينية والأدبية في عشرينات القرن الماضي.
لكنه استطاع بمشروعه في نقد الشعر الجاهلي أن يرسي عمارة النقد العربي المعاصر، ويجعل هذا النقد يتصل بالأسئلة الأساسية في الفكر النقدي العالمي في حينه، فعاد إلى قراءة مفهوم الشعر العربي وسياق إنتاجه في بدايات القرن العشرين، ودرس الأثر اليوناني في الثقافة العربية، وأقام علاقة متصلة بالنقد الفرنسي. وكان لهذا الاطلاع على ثقافات متعددة أثره في نقل النقد العربي من القراءات البلاغية البائسة، التي كانت تكتب في ذلك الحين، إلى بيت الفكر النقدي الجديد في العالم. كما زاوج طه حسين في كتبه ودراساته وأحاديثه الإذاعية بين الفكر النقدي العميق الموجه إلى المتخصصين والنقد الموجه للقارئ العام بحيث أقام علاقة متينة بين النقد ووظيفته النهضوية التنويرية. لعل هذه المزاوجة بين قراءة الأدب العربي القديم والأدب الفرنسي، وإعادة قراءة الميراث النقدي العربي القديم من وجهة نظر النقد المعاصر في العالم، وكذلك التركيز على مفهوم التنوير وأسئلة النهضة العربية في القرن العشرين، هي التي جعلت طه حسين معاصراً لنا، لا جزءاً منسياً من ماضينا الثقافي والشخصي. لقد ظل فكره حياً، ومنجزه النقدي مثيراً للأسئلة، كما ظل أسلوبه الفاتن المميز يشدني إليه طوال سنوات الصبا والشباب. لكن بغض النظر عن المكانة الثقافية والنقدية التي احتلها طه حسين في مسيرة الأدب العربي في القرن العشرين فقد كانت لي حكاية شخصية معه دفعتني لكي أكون ما أنا عليه الآن. كان طه حسين بالنسبة إلي مثالاً حلمت في طفولتي أن أمشي على هديه، ورسمت لنفسي منذ ذلك الحين مساراً شبيها بمساره النقدي والإبداعي. ولعله الأديب العربي الوحيد الذي أثر تأثيراً شديد العمق في توجهي للكتابة النقدية، إذ بدأت في قراءة كتب طه حسين في فترة مبكرة من حياتي لا أظن أنها تجاوزت سن الثالثة عشرة، والتهمت معظم كتبه الأساسية قبل أن أبلغ التاسعة عشرة من عمري. قرأت في البداية كتابه الشهير «الأيام» ولفت انتباهي إصرار هذا الرجل الضرير على إنجاز ما لم يحققه المبصرون، ثم قرأت كتابه «في الأدب الجاهلي»، وهو النسخة المخففة من كتابه الإشكالي «في الشعر الجاهلي»، الذي سحرني منطقه الديكارتي ونظريته في الشك، التي استند إليها في تمحيصه لنظرية الانتحال في الشعر العربي، وأثار خيالي بقدرته على الاختلاف ومغايرة السائد. وقد قادني كتابه الأساسي هذا إلى قراءة أعماله النقدية والإبداعية الأخرى: «حديث الأربعاء» و «حافظ وشوقي» و «الفتنة الكبرى» و «دعاء الكروان» و «جنة الشوك» و «المعذبون في الأرض»، و «سيرة أبي العلاء»، وغيرها من كتبه المتنوعة ذات الأسلوب الموقع والمتعددة المشارب والاختصاصات. دفعني طه حسين لكي أختار الكتابة النقدية من دون أن أفكر لحظة واحدة بكتابة الشعر أو القصة أو الرواية. سحرني عمله النقدي وشخصيته المؤثرة والفاعلة في الثقافة العربية في القرن العشرين، وكذلك قدرته، وهو الإنسان الأعمى، أن يلم بمعارف مختلفة عميقة متنوعة وثقافات متعددة عربية وفرنسية ويونانية. وظل صوته العميق يتردد في نفسي طوال سنوات وسنوات إذ كنت أتتبع أحاديثه الإذاعية وأسلوبه الموقع في الإذاعة المصرية لسنوات قبل وفاته عام 1973، وواصلت الاستماع لتلك الأحاديث عندما كانت الإذاعة تعيد بث تلك الأحاديث بعد وفاته. في هذا الجانب الشخصي من علاقتي بطه حسين، على رغم أنني لم أره إلا في الصور، كان الرجل رفيقاً يومياً في الطفولة والصبا. لم تكن كتبه تفارقني وأنا على مقاعد الدراسة، ولم أنقطع عن قراءته إلا بعد أن ذهبت الى دراسة الطب في الجامعة الأردنية لأنني ابتعدت عن مكتبتي في الضفة الغربية، ولأنني اكتشفت بعد خروجي من هناك، (وقد منعتني سلطات الاحتلال الإسرائيلي من العودة منذ ستة وعشرين عاماً)، عوالم جديدة في الأدب والنقد، وأصواتاً نقدية تختلف مع طه حسين وتشتجر مع رؤيته للأدب والثقافة عموماً. وهكذا تبخر سحر طه حسين وزميله العقاد الذي لازمني هو الآخر في سنوات الطفولة والصبا وكان يغذي هوسي ورغبتي المجهضة في الجمع بين العلم والأدب. الزيارات: 896
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |