/يوم من الايام، فيلم يراهن على الإنسانية لا على شباك التذاكر

يوم من الايام، فيلم يراهن على الإنسانية لا على شباك التذاكر



يضع النقادُ، والمثقفون، وأصحاب الأذواق الرفيعة ثقتهم في الأفلام السينمائية التي تُراهن على الجانب الفني ولا تعوّل كثيرًا على شبّاك التذاكر وحجم الإيرادات مع أن السينما ليست فنًا فقط وإنما هي صناعة وتجارة تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لابد من استردادها في خاتمة المطاف مع نسبة من الأرباح قد ترتفع أو تنخفض بحسب طبيعة السوق السينمائية، فهناك مَنْ يفضِّل الأفلام النوعية الجادة، وهناك مَنْ يجد ضالتهُ في السينما التجارية التي لا تجد ضيرًا في استثارة غرائزه دون أن تُداعب روحه، أو تُلامس مشاعره الإنسانية العميقة.

وعلى الرغم من المخاطر الجسيمة التي تُطوِّق الأفلام الجادة أقدَم المخرج محمد مصطفى على تبنّي ثيمة الفيلم الرومانسي “يوم من الأيام” وتحقيقها على أرض الواقع، وطرْحِها في صالات السينما المصرية التي يرتادها أناس من مختلف الأعمار والمستويات الثقافية والاجتماعية عسى أن يجدوا فيها ما يلبّي ذوائقهم الفنية المتنوّعة.

لم يصمد هذا الفيلم الروائي طويلاً في بعض الصالات السينمائية مع أنه رومانسي، جاد، ويناقش الحُب كثيمة إنسانية مُرهفة وقد صدر في الوقت المناسب الذي يحتاج فيه المُشاهد إلى رئة جديدة يتنفس من خلالها هواءً نقيًا يُريح أعصابه المشدودة، ويُنعش ذاكرته البصرية المستباحة بمَشاهِد الدم والقتل والترويع.

ليس من العدل إطلاق أحكام عاجلة على أي فيلم سينمائي قبل تحليل ثيمته، ودراسة أداء شخصياته، وتتبّع حبكته، وتلمّس الرؤية الإخراجية لصانع الفيلم دون أن ننسى التصوير والموسيقى والمونتاج وغيرها من العناصر التقنية التي يمكن أن تمدّ الفيلم بأسباب النجاح والتفرّد اللذين يعْلقان في ذاكرة المتلقي.

تلعب القصة السينمائية دورًا مهمًا في حبكة الفيلم إذا كانت متماسكة لكنها تفضي إلى العكس تمامًا إذا كانت ركيكة وغير مُقنعة. تُرى، هل أن القصة التي كتبها السينارست وليد يوسف ناجحة فنيًا وتستطيع أن تُقنع المتلّقي الذي يقرأها سرديًا أو بصريًا، أم أنها أحداث متناثرة لا تتمحور حول ثيمة محددة؟

ثمة نسق سردي في القصة المكتوبة، يقابلها نسق بصري في القصة المرئية التي حاول المخرج إيصالها إلى المُشاهِد. قصص الحُب في هذا الفيلم رومانسية في مجملها لكن بعضها لم ينتهِ نهاية سعيدة وخاصة القصة الأصلية المُستعادة التي وقعت بين انشراح “هبة مجدي” و جابر “هيثم عيّاد” الذي استعار صوت محمود حميدة بوصفه العاشق الذي فقدَ حبيبته بسبب الفقر والتمايز الطبقي فانكفأ على نفسه ليصبح ضحية للوحدة والذكريات التي لا تُفارق مخيلته أبدا، خصوصًا وأن انشراح قد أقدمت على حرق نفسها بعد أن رفضت أمها فكرة زواجها من جابر الذي لا يملك شُقَّة، ولم يجد وظيفة حكومية يتكئ عليها.

اقرأ أيضاً  الشاحنة

بينما تتهيأ الحافلة السياحية للانطلاق من المنصورة إلى القاهرة نتعرف على بقية القصص فبعضها قصص رومانسية يهيمن عليها الدفء والعاطفة والحنان كما هو الحال مع “لطفي لبيب” الذي أخبر أفراد العائلة بأنه ذاهب مع زوجته فوزية “مشيرة إسماعيل” إلى القاهرة للاحتفال بعيد زواجهما بينما هو ذاهب في حقيقة الأمر للعلاج لكن زوجته تموت في أثناء الرحلة. أما القصة الثانية فبطلها عويس”محمد حسني”، وهو رجل صعيدي يبغض زوجته بَجَلات “سامية عاطف” التي تزوَّجها قبل ثلاث عشرة سنة رُغمًا عنه لأنه يخشى والده بينما كان يحب فتاة أخرى. ثمة قصة عاطفية تجمع بين شاب وفتاة ينتميان لفرقة موسيقية غنائية يختلفان قليلاً ثم يتصالحان ويغنيان أغنية جميلة يسرّان بها رُكّاب الحافلة. مساعد السائق حَسَبو “حسن عبدالله” يتشاجر مع زوجته فاطمة “ندى عادل” التي تزوَّجها عن حُب لكنه يحتّد كلما جاءت على ذِكر “أيمن” ابن خالتها. أما قصة الفيلم الرئيسة فهي تدور بين نشوة التي تؤديها “هبة مجدي” أيضًا وبين خالد التي يجسدها “رامز أمير” حيث تعترض الأم وتريد منها أن تقترن بشخص ميسور الحال لكن الأسطى جابر يُقنعها بالهرب مع خالد طالما أنها تحبه ليحقق هذا الأسطى من خلالهما ما فشل في تحقيقه قبل إثنين وعشرين عامًا.

لعل الانتحاري “أحمد حاتم” هو الشخص المفصلي الذي يُراقب أصحاب هذه القصص جميعًا ويعتزم تفجير الحقيبة الملغّمة حالما تصل الحافلة إلى كراج القاهرة لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا بين صفوف المواطنين الأبرياء لكنه ما إن يتأمل قصص الحُب التي يسمعها سواء من الأسطى جابر أو التي يراها بأم عينيه في جوف الحافلة، خاصة بعد وفاة فوزية يترجّل من السيارة مُبتعدًا عنها في إشارة واضحة إلى عزوفه عن القيام بهذا العمل الإرهابي المقيت الذي لا طائل من ورائه.

أما بطلا القصة الرئيسة خالد ونشوة اللذين اختلفا على موضوع السفر إلى الخليج يصلان إلى حل منطقي بإلغاء فكرة السفر نهائيًا حيث يمزّق خالد ورقة العقد ويرميها في الهواء ليبدأ حياته الزوجية من داخل الوطن وليس من المنافي والمغتربات البعيدة.

هنا من حق المُشاهد أن يتساءل: هل أنّ الحُب يمكن أن يغيّر الإنسان، ويفعل الأعاجيب كما فعل بالانتحاري الذي تخلى عن القيام بعمله الإرهابي، أم أنّ هذه الفكرة مُغالية وبعيدة عن الواقع تمامًا؟ تُذكرّنا الإجابة على السؤال بشخصية هاملت المتردد لسبب واحد وهو “التفكير” حيث يقول: “إن الذي يفكِّر كثيرًا لا يستطيع أن يفعل” ولعل الانتحاري قد ولج في مصيدة التفكير التي مَنَعته من اتخاذ أي فعل إجرامي سوف يندم عليه لاحقًا. إذن، أن رسالة الفيلم الواضحة هي دعوة أي “انقتالي” أو إرهابي أن يفكّر ألف مرة قبل أن يقْدم على جريمته الشنعاء، ويجب أن يلتفت إلى عظمة الحياة حينما يكتنفها الحبُّ والدفء والأمل وهي قمينة بأن تُعاش بالطول والعرض والعمق لا أن تتحوّل إلى هباء منثور بفعل قنبلة ملغّمة أو حزام ناسف لا يُبقي ولا يذر.

اقرأ أيضاً  الكتابة والفقدان قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي

لا بد من الوقوف عند أداء الشخصيات لأنه يُسهم إنجاح الفيلم والتغطية على بعض العيوب الصغيرة في القصة السينمائية وبعض الهنات في السيناريو والحوار، وربما يكون الفنان محمود حميدة بأدائه الهادئ الناجم عن تجربة فنية رصينة قد أمدّ الفيلم بزخم كبير من الإقناع والمقبولية التي جذبت المُشاهدين صوب قصته الوجدانية المؤثرة التي تعيش معه لحظة بلحظة ولم يستطع أن يفارقها طوال عشرين عامًا أو يزيد على الرغم من إلحاح زميله وجاره القديم “صدّيق” بضرورة الزواج من امرأة تؤنسه وتبدّد وحشته القاتلة مذ فقد إلى الأبد ثنيّة روحه انشراح.

أضفى أداء الفنان لطفي لبيب حميمية أشاعها بين رُكّاب الحافلة وهو يعرف جيدًا أنها ستنتقل مباشرة إلى مُشاهديه وهو يحرّضهم على أهمية الحُب وقوته الساحرة التي لا تُفسّر في كثير من الأحيان. لعل هذا الأمر ينطبق على الممثلة مُشيرة إسماعيل التي عادت إلى مزاولة العمل الفني بعد انقاع لسنوات طويلة فقد نجحت في تأدية دور السيدة المُحبة لزوجها والحريصة عليه لكنها سبقته إلى مثواها الأخير.

لقد أتقن الفنان محمد حسني دور الرجل الصعيدي لغة وتفكيرًا وأداءً وعلى الرغم من حبِّه لإمرأة أخرى إلاّ أنه يعيد اكتشاف زوجته بجلات وحجم الحُب الذي أغدقته عليه في وعكته الصحيّة التي ألمّت به في أثناء الرحلة. كان أداء الفنانة سامية عاطف ناجحًا واستطاعت بحميميتها العالية أن تلفت الأنظار وتهيمن على مساحة لا بأس بها أحداث القصة السينمائية.

ربما تكون الممثلة هبة مجدي هي مفاجأة الفيلم لأسباب عديدة أولها الأداء اللذيذ الناعم الذي يكاد يخلو من الانفعالات الزائدة، فثمة قدرة واضحة في التعبير عن مشاعرها الداخلية، يساعدها في ذلك جمال معالمها الخارجية الذي جعلها تنجح في تأدية الدورَين معًا، الاستعادي عبر تقنية “الفلاش باك” الذي جسّدته أمام هيثم عيّاد، والدور الحقيقي الذي لعبته مع رامز أمير.

لا بد من الإشادة بالتصوير الذي تألق فيه مروان صابر، والموسيقى التي أبدع فيها محمود طلعت وأحمد حداد وبالذات أغنية “دبدب في الأرض” التي تُعيد أفكار الفيلم بعبارات مختصرة مثل الوقوع في الحُب، والسعي وراء الأحلام، ومواصلة الحياة بقدرٍ كبير من الثقة والإيمان مهما كانت حدة المصاعب التي يواجهها الإنسان.

اقرأ أيضاً  عناق الأصابع

قبل أن نختم هذا المقال النقدي لا بد من التأكيد على ثلاث إشارات رئيسة تخص مُخرج الفيلم ومُنتجه وممثله المبدع محمود حميدة، فقد حقق المخرج محمد مصطفى رؤيته الإخراجية في فيلم رومانسي جاد لا يقيم وزنًا للمعايير التجارية فهو يبحث عن جمهور نوعي يُراهن على الحُب، ويحرّض عليه لأنه يمكن أن نغيّر الإنسان ويقلب أفكاره رأسًا على عقب كما حصل مع الانتحاري الذي تخلّى عن فكرة القتل والترويع. تمثلت الرؤية الإخراجية في التشبث بالوطن وعدم الخوض في فكرة التغرّب بعيدًا عن حضن الوطن الأم الذي يتسع للجميع. جدير ذكره بأن المُشاهدين قد عرفوا محمد مصطفى الذي تخرّج في المعهد العالي للسينما في أفلام ومسلسلات عديدة نذكر منها “أوقات فراغ”، “الماجيك”، “الحرامي والعبيط”، “عيون القلب” وغيرها من الأعمال الفنية التي تُراهن على عقل المشاهد، وتعوِّل على أحاسيسه الإنسانية المرهفة.

تكمن أهمية هذا الفيلم أيضًا في مُنتجه حسين القلا الذي رفد المشهد السينمائي العربي بالعديد من الأفلام النوعية ذات السويّة الفنية العالية مثل “الطوق والإسورة” لخيري بشارة، “زوجة رجل مهم” لمحمد خان، “حدّوتة مصرية” ليوسف شاهين، “البداية” لصلاح أبو سيف، “الكيت كات” لداوود عبد السيّد وغيرها من الأفلام الروائية التي يعرفها المُشاهد الكريم.

أما مِسك الختام فهو الفنان محمود حميدة الذي انقطع إلى السينما منذ وقت مبكر وأخلص لها ويكفي أن نشير إلى بعض الأفلام التي اشترك فيها مثل “فارس المدينة”، “رغبة متوحشة”، “المُهاجر”، “جنّة الشياطين”، “ملَك وكتابة”، “احكي يا شهرزاد”، “نوّارة”، “أهواك” وغيرها من الأفلام والمسلسلات التلفازية. لا بد من الإشارة إلى أن حميدة قد أسس “إستوديو الممثل” عام 1996 لتدريب وصقل المواهب الشابة، ثم أردفه بإصدار مجلة “الفن السابع” التي تُعنى بصناعة السينما. ولعله أكثر الفنانين المصريين حماسًا في تشجيع الفنانين والمخرجين الشباب على العمل والإنتاج وربما يكون فيلم “يوم من الأيام” نموذجًا صادقًا لهذه المؤازرة التي تمتد في معظم أعماله الفنية السابقة.

 

عدنان حسين أحمد

المصدر: الجزيرة الوثائقية