/حوار مع الشاعر سليمان العيسى

حوار مع الشاعر سليمان العيسى



“أنا أرسم الكلمات، وأبحث عن الصور بالكلمات”

“أجر عكازي، أو هو يجرني”

“حسب لحن ينتهي في وتري أنه في صدر غيري يبدأ”

“مرافئ العمر نبيذ معتق، ينداح كقصص شهرزاد في ألف ليلة وليلة”

تسع سنوات ـ هي عمر تجربتي في أدب الأطفال ـ وأنا أحلم بلقاء الشاعر سليمان العيسى، فاللقاء به له وقع خاص، لأنه يمثل بالنسبة لي، كما بالنسبة لأجيال بكاملها، ألق الطفولة التي نَحِنُّ إلى مرابعها وذكرياتها، إلى دفئها الرائع، إلى شدوها العذب، إلى مشاغباتها، إلى ملاعبها ومدارسها، إلى أحلامها بكل ما تحمل من خيال محلق، إلى براءتها وطهرها.

ويمثل اللقاء بالنسبة لي شخصياً التعرف إلى أستاذي في مجال أدب الأطفال، الأستاذ الذي لم يعرف بعد أن له تلميذاً يحاول أن يتلمس خطاه في دروبه التي شقها منذ نصف قرن تقريباً.

لم أكن أعرف مكان سكنه، فهو تارة في اليمن، وتارة في دمشق، وتارة في كندا، وتارة في بقعة أخرى من هذه البسيطة التي طوت بعدها الوسائل المتقدمة.

لم أتمكن من تتبع أخباره، لكنها هي التي تَتَبَّعَتي أخيراً، إذ اتصل بي صديقي الدكتور إحسان من دمشق قائلاً: “اليوم سنقيم حفلاً مسائياً تكريمياً للشاعر سليمان العيسى، ولابد من إلقاء كلمة ترحيبية به، وقد نصحت الأصدقاء أن تكتب أنت هذه الكلمة، لكونك شاعراً للأطفال، فما رأيك؟”.

وافقت على الفور، وعبرت عن أسفي لأني لن أتمكن من لقاء الشاعر في ذلك الحفل، فالمسافة الزمنية المتاحة قصيرة، والمسافة المكانية بين مدينتي إدلب الخضراء في الشمال السوري وبين دمشق كبيرة، لكني ضمنت الصفحة التي كتبتها وأرسلتها بالفاكس رغبتي في لقاء الشاعر، والحصول على عنوانه ورقم هاتفه المنزلي.

تتابعت الأيام والشهور وأنا ما أزال أحلم بلقاء صاحب الحلم الكبير، فوقته المتاح قليل، والثغرات التي أتيحت لي لم تكن تناسبني، حتى حل موعد زفافي أخيراً، ورغبتُ وعروسي في تمضية شهر العسل في دمشق، فلهذه المدينة عبقها الممعنةُ جذورُهُ في التاريخ، وهي المدينة العروس التي ترفل بحلل الياسمين البيضاء العطرة، فهي الأنسب لاحتضان عروسين في بدء حياتهما الزوجية.

قبل سفرنا اتصلت بشاعر الطفولة، وحصلت على موعد يناسب كلينا، وكان اللقاء في شهر العسل.

ولد الشاعر سليمان العيسى عام 1921 م، في قرية النُّعيرية ـ حارة بساتين العاصي ـ الواقعة غربي مدينة أنطاكية التاريخية على بعد عشرين كيلو متراً في لواء الاسكندرونة.

بدأ ينهل من ينابيع الثقافة على يد أبيه الشيخ أحمد العيسى في القرية، وفي باحة الدار شهدت شجرة التوت ذلك الفتى الغض وهو يحفظ القرآن، والمعلقات، وديوان المتنبي، وآلاف الأبيات من الشعر العربي، ولم يكن في القرية مدرسة غير (الكُتَّاب) الذي كان في الواقع بيت الشاعر الصغير، والذي كان والده الشيخ أحمد يسكنه، ويعلّم فيه أبناء القرية.

بدأت أنامله تخط الشعر في التاسعة أو العاشرة، وأنجز أول ديوان من شعره في القرية، تحدث فيه عن هموم الفلاحين ومعاناتهم.
دخل المدرسة الابتدائية في مدينة أنطاكية، وضعه المدير في الصف الرابع مباشرة، وكانت ثورة اللواء العربية قد اشتعلت عندما أحس عرب اللواء بمؤامرة فصله عن الوطن الأم سورية.

شارك بقصائده القومية في المظاهرات التي خاضها أبناء اللواء ضد الاغتصاب وهو في الصف الخامس الابتدائي.

غادر لواء الاسكندرونة بعد سلخه ليتابع مع رفاقه الكفاح ضد الانتداب الفرنسي، وواصل دراسته الثانوية في ثانويات حماة واللاذقية ودمشق، وفي هذه الفترة ذاق مرارة التشرد وعرف قيمة الكفاح في سبيل الأمة العربية ووحدتها وحريتها، ولم تكتب له العودة لزيارة اللواء إلا بعد ستة وعشرين عاماً.

استقبلته السجون أكثر من مرة بسبب قصائده ومواقفه القومية.

في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي التحق طالباً في ثانوية جودة الهاشمي بدمشق ـ كانت تدعى (التجهيز الأولى) في ذلك العهد ـ، وتفتحت آفاقه على العمل السياسي.

أتم تحصيله العالي في دار المعلمين العالية ببغداد بمساعدة من العراق الشقيق، تلك الدار التي خرجت جيلاً من كبار المبدعين.
عاد من بغداد وعين مدرساً للغة والأدب العربي في ثانويات حلب، وبقي فيها من سنة 1947م حتى سنة 1967م، يدرِّس ويتابع الكتابة.

انتقل إلى دمشق موجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية، وكان من مؤسسي اتحاد الكتاب العرب في سورية عام 1969م.
متزوج من الدكتورة ملكة أبيض الباحثة والمترجمة وأستاذة الجامعة، له منها ثلاثة أولاد: معن، وغيلان، وبادية.

اللغات التي يتقنها الفرنسية والإنكليزية إلى جانب لغته العربية، ويلم بالتركية، وهذا ما جعله على اطلاع واسع بثقافات عديدة ساهمت في رفد ثروته الثقافية.

زار معظم أقطار الوطن العربي وعدداً من البلدان الأجنبية.

ما زال حتى الآن ـ وهو على أعتاب العقد العاشر من عمره ـ يكتب وينتج الأدب الرفيع.

من أعمال سليمان العيسى في الشعر: (مع الفجر)، حلب 1952، و (شاعر بين الجدران)، بيروت 1954، و(أعاصير في السلاسل)، حلب 1954، و (ثائر من غفار)، بيروت 1955، و (رمال عطشى)، بيروت 1957، و(قصائد عربية)، بيروت 1959، و (الدم والنجوم الخضر)، بيروت 1960، و (أمواج بلا شاطئ)، بيروت 1961، و (رسائل مؤرقة)، بيروت 1962، و (أزهار الضياع)، بيروت 1963، و (كلمات مقاتلة)، بيروت 1986، و (أغنيات صغيرة)، بيروت 1967، و (أغنية في جزيرة السندباد)، بغداد وزارة الإعلام 1971، و(أغان بريشة البرق)، دمشق وزارة الثقافة 1971، و (الديوان الضاحك )، شعر للتسلية، بيروت 1979، و (الكتابة أرق)، دمشق 1982، و (الفراشة)، دمشق 1984، و(الصلاة لأرض الثورة)، و (وسافرت في الغيمة)، و (رمال ما تزال عطشى)، و (أمشي وتنأين)، و (ديوان فلسطين)، و (ديوان العراق)، و (ديوان لبنان)، و (ديوان دمشق)، صنعاء 2004، و (ديوان اليمن)، صنعاء 2004، و (اليمن في شعري)، الذي يضم نصوصاً شعرية مختارة ومميزة، و(يمانيات)، ديوان لأحدث قصائده.

ومن أعماله في المسرح الشعري: (ابن الأيهم، الإزار الجريح)، دمشق 1977، و (الفارس الضائع أبو محجن الثقفي)، بيروت 1969، و (إنسان)، دمشق 1969، و (ميسون وقصائد أخرى)، مسرحية وقصائد، دمشق 1973.

ومن أعماله في مجال شعر الأطفال: (ديوان الأطفال)، دمشق 1969، و (أناشيد للصغار)، دمشق 1970، و(الصيف والطلائع)، وزارة الثقافة، دمشق 1970، و (غنوا أيها الصغار)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1977، و(غنوا يا أطفال)، مجموعة كاملة من عشرة أجزاء تضم كل الأناشيد التي كتبها الشاعر للأطفال حتى تاريخ الطباعة، بيروت 1979.

ومن أعماله في مسرح الطفل: (المستقبل)، دمشق 1969، و (النهر)، دمشق 1969، و (مسرحيات غنائية للأطفال)، دمشق 1969.

ومن أعماله في مجال مسلسلات الأطفال الشعرية: (القطار الأخضر)، بغداد 1976، و (المتنبي والأطفال)، دمشق 1978.

وله في النثر كتب عديدة، منها: (دفتر النثر)، دمشق 1981، و (باقة النثر)، دمشق 1984, و (إني أواصل الأرق)، دمشق 1984.
بالإضافة لعدد كبير من الكتب التي امتزج فيها الشعر الرقيق بالنثر الجميل، منها: (ثمالات1)، صنعاء 1999، و(ثمالات2و3و4و5)، و (أحلام شجرة التوت)، و (أنا وحلب)، بمناسبة احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية 2006، و (أنا والجزيرة العربية)، و (كتاب الحنين)، و(همسات ريشة متعبة)، و (أنا والقدس) 2009، بمناسبة احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية.

شارك مع زوجته الدكتورة ملكة أبيض في ترجمة عدد من الآثار الأدبية، أهمها آثار الكتاب الجزائريين ككاتب ياسين وغيره من الذين كتبوا بالفرنسية.

يعد الشاعر السوري سليمان العيسى واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين الذين دارت معظم قصائدهم حول القضايا القومية، حيث كتب عن فلسطين والعراق واليمن والجزيرة العربية والجزائر وسورية…

يستند سليمان العيسى إلى تسعة عقود من الزمن المضمخ بالشعر والتجربة والكفاح والحل والارتحال، لا يزال هو هو، ذلك القومي العنيد الذي لم يزعزع إيمانه بالعروبة شيء، ولم يغير من قناعاته أي حدث مهما كان جللاً، وأي إغراء مهما بلغ، ونال العيسى احترام الناس بأطيافهم المتعددة، الذين يوافقونه الرأي، والذين يخالفونه الرأي..

يمثل سليمان العيسى في تجربته نشيد الوطن والشهيد والحرية والسجن والثورة، غنى لكل هذه المعاني العميقة، وعززها في شعره.

مرت تجربته الشعرية بالمدارس الشعرية المختلفة من الكلاسيكية إلى الرومانسية إلى الواقعية الجديدة، كانت بعض المدارس تلقي بأثرها على كتاباته، ولكن أكثرها تأثيراً كان المدرسة الواقعية الشعرية الجديدة.

في شعره صوت عميق، وساطع، وعصي على اليأس، القصيدة عند سليمان العيسى، تمثل فعلاً إنسانياً ينضح بالوعي والشفافية، ولغة جياشة بالأمل والغضب العظيمين، وهو شاعر شديد الحيوية، لا يقبل الانشطار أو التشظي، حلم بأفق أبهى وأكثر عدالة، وحاول السعي في طريق يفضي، على الرغم من وعورته الدامية، إلى فجر أجمل، ومجتمع لا بطش فيه.

كانت قصائد سليمان العيسى، في منتصف القرن العشرين، تشق طريقها إلى الناس بيسر وعذوبة لا نظير لهما، فتجرف ما كان يعترضها من مفاهيم تناقض ما يسعى سليمان العيسى إلى تحقيقه في الشعر والحياة، وحين كان بعض الشعراء العرب يصغون، بدفء وحميمية، إلى أنين ذواتهم، كان سليمان العيسى يرى في الشعر عملاً إنسانياً، وحين كان هؤلاء الشعراء يغنون ليأسهم الجميل حيناً، ولعزلتهم عن الحياة حيناً آخر، كان العيسى ينظر إلى القصيدة على أنها عون للإنسان في عذابه وكفاحه العظيمين.
في تلك الحقبة، كان بعض الشعراء العرب يفصحون عن شكوكهم في الشعر وجدواه، أو في الشاعر ودوره، وكأنهم يجدون في كتابة الشعر قلقاً لا داعي له، أو أن الشعر، لديهم، عذاب مركب لا يخلف لصاحبه غير الموت، ولا يثمر إلا الندم واللاجدوى:

لمن تسكب الروح يا شاعرُ؟
أما لضلال المنى آخرُ؟
أللمجد؟ ماذا يحسّ القتيلُ
إذا ازورّ أو بسم العابرُ؟
أللخلد؟ ماذا يردّ الذئابَ
إذا عضّها جوعُها الكافرُ؟

في الوقت ذاته، كان سليمان العيسى يشعل تلك الصحراء العربية الموحشة بقصائده، ليندلع صوته مجلجلاً أقوى من اليأس، وأعتى من قوى الفناء والإحباط:

أمة العربِ لن تموتَ، وإني
أتحداكَ باسمها يا فناءُ
وحين كان يرى الأزمنة العربية تنحدر صوب غروبها الموحش، والأمكنة العربية تتفتت بقعة إثر أخرى، كان يهب كرعد وحشي، ليملأ عروق الشجر الكالح برعشة الحياة، ويشد إرادة العرب، في كل مكان، بإيمانه الملتهب وقصائده الشرسة.

اتجه سليمان العيسى إلى كتابة شعر الأطفال بعد نكسة حزيران عام 1967م، فأنتج أول ديوان لشعر الأطفال في الوطن العربي عام 1969.

القصائد التي كتبها سليمان العيسى للأطفال ليست مجرد أدب للترفيه، فهي تحتوي على أبعاد أخرى يهدف الشاعر من خلالها إلى المساهمة في وضع أساس يقوم عليه التكوين العقلي والعاطفي للأطفال والشباب، وتنمية مداركهم وخيالهم، وكذلك الإحساس بالجمال لديهم، وقد ضمن سليمان العيسى عدداً كبيراً من تلك القصائد همومه وطموحاته وعذابات الأمة، فأصبحت أعماله أناشيداً للطفولة بكل تفصيلاتها الجميلة والحميمة، صعد بالطفولة إلى التراث والتاريخ، وأمسك بأيدي الأطفال، ودلف بهم إلى الشوارع والملاعب، أحبهم، التصق بهم، غنى لهم، ولم يكن تعلقه بالأطفال عابراً، لذلك أسس لمدرسة شعرية متميزة تتناول الطفل ومتعلقاته، فأصبح ما قدمه لعالم الطفولة دافعاً للكثيرين إلى الالتفات إلى الطفل، وتكريس شيء من الإبداع له.

شرط سليمان العيسى للكتابة عن الطفل أن يكون الكاتب، شاعراً أو ناثراً، طفلاً، وهذا ما يمنحه الابتعاد عن الوعظية والتوجيه والإرشاد، والذي يعرف الشاعر سليمان عن قرب، يراه طفلاً متشبثاً بطفولته ونقائه، وهذا ما دفع الكثيرين إلى وسمه بالحدة والقسوة؛ فهو الطفل الذي لا يقبل أن يجرح أحد نقاء لحظته وفكرته.

شارك مع زوجته وعدد من زملائه في ترجمة قصص ومسرحيات من روائع الأدب العالمي للأطفال.

ولسليمان العيسى في الصحافة تجربة رائدة، حيث أسس مع صديقه الأديب الراحل صدقي إسماعيل جريدة (الكلب) التي كتب فيها كبار المبدعين، ونقدوا الحكومات، وعضوا السياسات، وعضتهم، وهذه المجلة فريدة في بابها، وقد صدرت مجموعة قبل سنين في كتاب يحمل عنوان (الكلب)، وهي تؤرخ للسياسة من جانب ساخر ضاحك ظريف.

أما السياسة، فبالرغم من دخوله سراديبها، إلا أنه ظل محافظاً على نقائه، فهو لم يطلب منها كما طلب الآخرون، إنه يبحث عن حلمه الذي وجد دربه سنوات في السياسة، ولما أثبتت السياسة فشلها غادرها إلى درب آخر، يقول: “هكذا خلقنا الله , ناس للحلم وناس للحكم، وأنا اخترت الحلم, لم أكن يوماً سفيراً، ولا وزيراً،شعري هو سفيري وجواز سفري, الحكم أضيق بكثير من الحلم, اخترت الخط الثقافي وكان هدفي، إضافة إلى أني اخترت وزوجتي قضيةً عشناها ونعيشها حتى الآن بقناعاتنا”.

كرم الشاعر في محافل كثيرة، حيث حصل على جائزة لوتس للشعر من اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا 1982م، وفي عام 1990م انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، وفي عام 2000م حصل على جائزة الإبداع الشعري من مؤسسة البابطين، وتم تكريمه من قبل ديوان العرب في الثامن من يناير 2005، كما كرم في محافل أدبية كثيرة في أرجاء الوطن العربي.

وقد منحته اليمن في احتفال كبير، ممثلة برئيسها علي عبد الله صالح، وسام الوحدة اليمنية، وهو أرفع الأوسمة اليمنية، وذلك تقديراً لمواقفه الأخوية المؤازرة للشعب اليمني في قضاياه الوطنية، واعتزازاً بعطاءاته الأدبية والثقافية التي شكلت رافداً للثقافة العربية.

وقال الرئيس اليمني خلال فعالية التكريم: “سيظل الشاعر العربي سليمان العيسى محل تقدير واحترام من قبل كل اليمنيين اعتزازاً بمواقفه الوطنية والقومية والوحدوية، وستظل اليمن وطناً لكل العرب، باعتبارها موطنهم الأول، ومنبع العروبة”.

وعلق الشاعر قائلاً: “هذا التكريم ليس لي فأنا لم أفعل شيئا جديرا به حتى الآن، إنه تحية للقضية، لفكرة، للحلم الذي عشنا ونعيش من أجله جميعا، وأعتبر أنه تحية لأطفالنا الذين أغني وأكتب لهم منذ سبعة وثلاثين عاماً بدون انقطاع”.

كانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف صباحاً حين وَصَلْنا مُبَكِّرَيْنِ ـ عروسي وأنا ـ عن موعدنا إلى منزل الشاعر سليمان العيسى في مشروع دمر قرب دمشق، حملنا معنا أشواقنا وأوراقنا وآلة التصوير، لكني نسيت حمل آلة التسجيل عندما سارعت خشية التأخر عن الموعد، عندما وصلنا كان الشاعر وزوجته النشيطة الدكتورة ملكة أبيض في استقبالنا، كان استقبالاً جميلاً ودوداً.

قلت معتذراً: “لا أعلم السبب الذي جعلنا نبكر في المجيء، لكننا اهتدينا إلى المنزل ولم نعد نصبر على الانتظار”.

قال الشاعر بابتسامته اللطيفة وهو يمد يده مصافحاً: “أهلاً وسهلاً، الحمد لله أنكما بكرتما في المجيء، فلدي اجتماع في مجمع اللغة العربية طرأ دون موعد مسبق، الآن يمكننا أن نتمم الأمر”.

وبعد أن قدمت الدكتورة ملكة أبيض فناجين القهوة قالت باسمةً: “الآن أطمئن أنكما ستساعدان سليمان على الوقوف حين يلزمه ذلك”.

ثم استأذنت بالمغادرة لأنها ستلقي محاضرة، فجلسنا للحديث وللحوار مع شاعرنا سليمان العيسى، وقامت عروسي بتصوير لمحات من هذا اللقاء.
* * *

بدايةً، هل تسمح لي أن أهديك تحية خاصة لا علاقة لها بالحوار؟

ـ (يضحك) تفضل يا بني، أنا رهن إشارتكم الآن.

أستاذي الكبير سليمان العيسى، كتبتَ منذ أربعة عقود أو أكثر:

كُنَّا نحلمُ
أَنَّا سوف نهزُّ الشمسَ
فتسقط في أرضِ الفقراء
بيادرَ منْ قمحٍ وغلالْ
ما زلنا نحلم معك هذه الأحلام التي عطرت صفحات كتبك، وتألقت في نفوس أجيالنا الواعدة، إنه الحلم الذي كبر معنا، فرعيناه ورعانا..
وما زلنا نردد أناشيدك العذبة التي بدأت معنا في الطفولة، وبدأنا معها نتعلم ألف باء لغتنا الحبيبة، وما زالت أحلام طفولتنا تتجاوب مع أصداء أصوات التلاميذ وهم يرددون كل صباح: “ماما ماما.. يا أنغاما”، و “وطني أشجار وظلالُ.. وترابي قمحٌ وغلالُ”، فإذا جاء الخريف رددت الحناجر: “ورقاتٌ تطفر في الدربِ.. والغيمةُ شقراءُ الهدبِ.. والريح أناشيدُ.. والنهر تجاعيدُ.. يا غيمة يا أمَّ المطرِ.. الأرض اشتاقت فانهمري.. والفصل خريف”، وما زلت أيها الشاعر الحالم في نفوس الأجيال رائعاً كروعة الشمس، رائعاً كروعة الإحساس الذي أبكاني رحمة بذلك العصفور الذي غادرَتْهُ حبيبته منى: ” تحب منى العصافيرا، تحب غناءَها الساحر، تقول لكل عصفورٍ، إليَّ إِليَّ يا شاعر..”، إلى أن قرأ العصفور رسالتها الأخيرة: “فإِنْ طالت عليك نوىً وطال غيابْ، رجعتُ على نشيد هوىً إِلى الأحبابْ”.

ـ (يصفق منتشياً) رائع، رائع، لقد عدت بي إلى زمن البداية، حين كتبت ديوان الأطفال الأول منذ أربعين عاماً، هذه أناشيده، ما زلت أذكرها، مرافئ العمر نبيذ معتق، ينداح كقصص شهرزاد في ألف ليلة وليلة، مضى زمن طويل.

نعم، وخلال ذاك الزمن أجيال بكاملها حملت مشاعل مضيئة من رحلتك الطويلة، بدءاً من قرية النعيرية في لواء الاسكندرونة، إلى حلب الشهباء، فحماة، فبغداد، فدمشق الفيحاء، فاليمن، وبقية من رحلاتك في الآفاق البعيدة إلى كندا وغيرها، وكأن لسان حالك الآن هو الذي نطق بهذه الكلمات التي كتبتها منذ سنوات عديدة: “وما قلنا و لم نبدأ، لماذا يقصر العمر؟ لماذا يتعبُ السفر؟”.
هذه المحطات في أي كتاب يمكن أن نجد تفاصيلها حتى لا نؤخرك عن موعدك؟

ـ لا بأس يا بني، مازال لدينا وقت كافٍ، لكنك أرحتني من هذا السؤال لأنه يستغرق في الإجابة وقتاً طويلاً، تجد التفاصيل في كتاب (أوراق من حياتي)، جمعتُ فيه ما يمكنك أن تطلق عليه سيرتي الذاتية، هي لمحات متفرقة؛ شعرية ونثرية.

سيرة ذاتية شعرية؟ كثيرون استبعدوا إمكانية تحقيق وإنتاج سير ذاتية شعرية، وزعموا أن أدب السيرة الذاتية يعتمد الحقيقة والصدق في نقل تجارب الحياة الفردية، وأن الشعر يقوم بخلاف ذلك على التصور، والتخيل، والمبالغة، وعلى الصدق الفني إن لم نقل الكذب، فكيف يمكن لسيرة ذاتية أن تُحَمِّلَ الشعرَ أفكارها؟

ـ الشعر ديوان العرب، وهو وسيلة التعبير المثلى لدى أجدادنا قبل النثر، فلم لا نكتب السيرة الذاتية شعراً؟

في الغرب، وهم لا يملكون ملكة الشعر كما نملكها، أثيرت مسألة السيرة الذاتية الشعرية داخل الأوساط الأدبية والنقدية، بحيث أبدى الناقد الفرنسي فيليب لوجون في هذا الشأن ملاحظة خلاصتها أن أدب السير الذاتية النثرية يعرف كثرة في الإنتاج بخلاف أدب السيرة الذاتية الشعرية الذي لا تتجاوز الأعمال المنضوية تحته عدد الأصابع، وهذا اعتراف منه بإمكانية كتابة السيرة الذاتية شعراً.

لكن لوجون في موضوع تعريف السيرة الذاتية، حاول واجتهد مرتين في وضع حد أو تعريف لهذا الجنس الأدبي، لكنه خلص في النهاية إلى صياغة حدود تعريفية تتجاهل الحد الشعري في هوية أدب السيرة الذاتية وتعريفه.
ـ لا تنسى أنه أدرك عدم وجود أي مانع يحول دون توظيف وإدراج أبيات شعرية في السيرة الذاتية، وإن وقف في تعريفه عند تلك الحدود، والملاحظ أن معظم النقاد والباحثين العرب اعتمدوا في كتاباتهم ما وضعه الناقد الفرنسي من تعريف للسيرة الذاتية واكتفوا به، واعتبروه، على ما يبدو، معياراً وتعريفاً شبه ثابت خاص بأدب السيرة الذاتية، أما جورج ماي فيناقش مسألة السيرة الذاتية الشعرية بقسط من الحذر،بحيث إذا ما تفحصنا ما جاء به في هذا الشأن، فإننا نلمس لديه نزوعا إلى إقرار الحد الشعري في تعريف السيرة الذاتية، وإن كان ميل الكتاب إلى النثر في تأليف سيرهم الذاتية أقوى من ميلهم إلى إنشائها شعرا.

لكن جورج ماي لم يضع حدودا تعريفية دقيقة لأدب السيرة الذاتية، كما حاول ذلك فيليب لوجون.

ـ ذلك لأنه أدرك بأن حدود التعريف النثرية عاجزة عن الإحاطة بجوهر وهوية السيرة الذاتية، ورأى من الأحسن أن يتخذ مفهوم النزوع المتسم بالمرونة عوضاً عن مفهوم التعريف في شأن تحديد ماهية هذا الجنس الأدبي، وذلك تفادياً لما ينطوي عليه التعريف من تصلب وجزم، فهل نسلم بالتعريف الذي وضعه لوجون للسيرة الذاتية، المتمثل في كون هذا الجنس الأدبي، تبعاً لحد من حدوده التعريفية، حكي أو سرد استعادي نثري؟ وأنه أدب ينتمي إلى النثر الخالص ولا علاقة له بالشعر؟

ألا ترى معي أن الحد الشعري الذي غيبه لوجون أثناء تنظيره لأدب السيرة الذاتية قد أفقد التعريف الذي وضعه لهذا الأدب الكثير من مصداقيته؟

أرى أنه لو تم إدراج هذا الحد والإقرار به في دائرة تحديد هوية السيرة الذاتية، فلن يكسب تعريف هذا اللون الأدبي مصداقية كبيرة.

بما أننا ما زلنا في معرض الحديث عن السيرة الذاتية، يلح علي سؤال محير منذ زمن؛ ما الذي ميز جيلكم ومدرسة دار المعلمين العليا في بغداد لتنجب هذا العدد من المفكرين والأدباء خلال مدة زمنية مضغوطة وقصيرة؟

ـ (يرفع ناظره وكأنه يريد استعادة ذكرى بعيدة، يجيب بعد صمت قصير) هذا السؤال لم أتعرض له مسبقاً، حتى أنا ابن تلك الدار لا أعرف تفسيراً لذلك، هناك نازك الملائكة وأنا وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وعبد الرزاق عبد الواحد ولمياء عمارة وعباس عمارة، كل شعراء بغداد تقريباً تخرجوا من هذه الدار، لماذا؟ ليس هناك جواب لهذا السؤال.

لكنها طاقات كبيرة قدمها ذلك الجيل، جيلكم ينطبق عليه قولك: “هَدَأَ الوَحْيُ وَلَمْ تَهْدَأْ بِنا.. وَثْبَةٌ شَدَّتْ إِلَى الشَّمْسِ الرِّحالا”!

ـ أحياناً تأتي موجة من الإبداع ليس لها تفسير، تلك الفترة الزمنية؛ الأربعينيات والخمسينيات في القرن الماضي مرت موجة أعطت مبدعين من لبنان كالرحابنة وفيروز، وفي سورية أدونيس وسليمان العيسى وغيرهما، وفي العراق وفي مصر، قد تكون الظروف الصعبة التي صنعت ذلك الجيل، لكن الذي يميز أبناء تلك الفترة هو الفكر، كنا نحمل فكراً عميقاً رغم المعوقات، الآن تملك الأجيال وسائل لم نكن نحلم بها.

ما الذي أوصل أجيالنا الحاضرة إلى هذه الحالة؟

ـ البعد عن الثقافة، استسهال الحياة، لكنها ليس قاعدة، فأنا لا أحب الأحكام الشمولية، تبقى لكل قاعدة شواذ.

ألا يمكن أن نحمل الأجيال السابقة جزءاً من المسؤولية؟

ـ جيلنا لم يقصر، ربما حاول الآباء من جيلنا وقاية أبنائهم من المتاعب التي وقعوا بها، فأصيب جيل الأبناء بالاتكالية، الصعوبات تزيد من رهافة حس الإنسان الذي يملك بذرة الإبداع، فتسقيها وتنميها.

هل يعني ذلك أن الصعوبات لها فضل في تلك الموجة من المبدعين في أواسط القرن الماضي؟

ـ ربما إلى حد ما، لكنها ليست السبب الوحيد، هناك ظواهر لا نملك تفسيرها أحياناً.

هل يضيف السجن رافداً جديداً إلى تجربة الشاعر الشعرية باعتباره غمامة سوداء من الصعوبات والمعاناة؟

ـ لا شك أن السجن يعطي رافداً جديداً إلى حد ما، ويختبرك إلى أي حد يمكن لك أن تصمد أمام المصاعب وأمام المتاعب من أجل قضيتك، ويختبر عطاءك، مررت بالسجن مرتين أو ثلاث مرات، لكن حتى الآن أشعر بالخجل عندما أقول أنني سجنت، بينما أرى عشرة آلاف شاب عربي مثل الورود في سجون إسرائيل.

لكنك سجنت من أجل قضية سامية، هي قضية أولئك السجناء ذاتها!

ـ لا يعود الإنسان يذكر أنه سجن شهراً أو شهرين أمام هذا الجيل المسجون دفاعاً عن قضيته في سجون إسرائيل، وفي السجون العربية أيضاً والتي لم تقصر في ذلك.

أي نوع من الحرمان كان أقسى في السجن؟ هل هو حرمان الإنسان من حريته؟ أم حرمانه مما يحب؟

ـ في السجن تظهر الأولويات التي تحكم كيان الإنسان، فالسجين يبكي حريته الضائعة، لكنه يخضع لقانون الحياة إن عضه الجوع، فالجوع مقدم على الحرية في بعض المواقف، كان حرماني من القراءة أقسى ما شعرت به، أذكر أنني حين كنت في سجن النظارة بدمشق طلبت صحيفة أقتل بها الملل، فتسللت إليَّ جريدة “النقاد”، وإذا العدد يحمل غزلية قديمة لي،تعلوها صورة حسناء فاتنة، نظرت ملياً إلى الصورة، ثم نظرت إلى القصيدة المنشورة تحتها، ثم انطلقت أغنية أقول في بعض أبياتها:

عذراء.. هذي أنتفوق
قصيدتي.. جارٌ، وجارَه
هذا جنون الأمس في
“النقاد”.. أغنية مُثارَه
حملتكِ أجنحةُ الجريدة
فوق أبياتي شراره
ورمتكِ في ثغر الزمان
على المدى.. أرَجَ استعاره

السجن يدفع للكتابة أحياناً، لكنه في الغالب يميتها، فالشاعر السجين تضيع موهبته وكلماته حين يفقد صلته بالعالم الخارجي.

لكنك في قصيدة أخرى من قصائد السجن قلت:

صمتُ “النظّارة”، والرطوبةُ،
والدُنى حولي همودُ
وخيال شاعرِكِ القديم
جوانحٌ ـ أبداً ـ ترودُ!
تنهدّ أبياتاً بواقيَ
حينَ تصدمها القيودُ
وتصكّها الجُدُر الثخانُ
فلا تموت، ولاتبيدُ

ـ لكنها قد تموت لو كانت فترة السجن طويلة، (يطرق ثم يرفع رأسه باسماً) هذه الأبيات من قصيدة كتبتها في سجن النظارة لا أذكر عنوانها..

(بين الجدران)؟

ـ نعم، نعم، أحسنت، عنوانها بين الجدران، أقول في مطلعها حسب ما أذكر:
ها أنتِ.. لو تدرين أين
الآن شاعركِ المجيدُ؟
من أين يُرسل همسَهُ
شعراً، ليحضنَه الخلودُ!

قصيدتان في السجن ذكرناهما الآن تطل منهما المرأة بكثافة، هل لهذا تفسير؟

ـ (يضحك) نعم، السجن عالم قاسٍ، ويحتاج السجين للعالم اللين، وليس سوى الأنثى من يمثل هذا العالم لينقل السجين على أجنحة الخيال خارج جدرانه الكثيفة، وملامحه الصلبة، الأنثى هي فصول الكون الأربعة.

هذا يقودنا إلى الحديث عن المرأة، سليمان العيسى وحواء، ما أثر حواء في حياتك؟

ـ حواء هي الشطر الأساسي في حياتي، أمي في القرية كانت صاحبة دور كبير في تفتح الطفل سليمان على العالم، كتبت حديثاً جرى بيننا أثبته في قصة (وائل يبحث عن وطنه الكبير)، وائل ما هو إلا أنا، طرحت عليها يوماً هذه الأسئلة:”لماذا لا تكون بيوت الفلاحين كلها مثل بيت الآغا? لماذا لا يكون بيتنا أبيض لامعاً مثل بيت الآغا؟ كيف استطاع الآغا أن يملك كل هذه الأراضي وحده؟”

حدثتني أمي مرةً وكانت تجمع بعض الحشائش من البستان لتطعم البقرة, البقرة الوحيدة التي كانت تملكها الاسرة، قالت: “يا بني؛ الآغا رجل لا يعرف قلبه الرحمة، لقد سرق هذه الأراضي منا، كان جدك يملك هذا البستان، وسافر في حرب (السفر برلك), فوضع الآغا يده على البستان وغيره من البساتين”.

هذه المرأة الأم؛ المرحومة أم محمد، أين هو مكان الزوجة؟‏

ـ جمعت آلاف الصفحات التي كتبتها عن حواء في كتاب (المرأة في شعري)، لكن أنثى واحدة هي التي ملأت حياتي هي زوجتي ملكة أبيض، وأنا مدين لها بنصف إنتاجي، وهي تحمل شهادة دكتوراه من أوربا، وتحاضر في العديد من الجامعات، وأنا أستعين بها في كل لحظة، أكتب ديواني وأعطيها إياه لتقرأه، فتعطيني ملاحظاتها التي ألتزم بالكثير منها، ونناقش ونغير، وبعدها أدفع بالديوان إلى الطباعة، إنها المرجع في كل إنتاجي.

سيرة الدكتورة ملكة وكفاحكما المشترك مثال نادر، كيف التقيت بها؟

ـ تعرفت إليها عندما كنت أدرس أخواتها في منزلهم في حلب عام 1950م، كانت وقتها تتابع دراستها في أوربا، عندما جاءت للزيارة التقيت بها، خرجنا معاً في مشاوير عديدة دون أن نتكلم كلمة حب واحدة، بعدها وجدنا نفسينا مرتبطين فتزوجنا، وأقنعتها بالعودة والاستقرار في الوطن بعد أن كانت قد قررت قراراً لا عودة فيه أن تعيش في بلاد الاغتراب.

قرأت قبل حضورنا إلى دمشق بعض الصفحات من كتابك (أنا وحلب) الذي صدر عن وزارة الثقافة بمناسبة احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، قرأت فيه عن حرف (الميم) المطرز الذي أثار فضولك، وكان فاتحة التعارف بزوجتك الدكتورة ملكة، لقد أثرتني لقراءة الكتاب فور عودتنا.

ـ (يبتسم بعذوبة حالمة) نعم، أودعت في ذلك الكتاب تفاصيل بداية الرحلة، كانت وما زالت رفيقتي التي لا أستطيع التخلي عنها، سافرتُ مرة دون صحبتها، كتبت لها في البعد: “الضجر يأكلني.. هذه آخر مرة أسافر فيها وحدي.. ولو عدت من سفري بغنائم الدنيا.. إنه قراري في هذه الأمسية.. الهنيهة شهر.. والساعة دهر.. بدون من تحب”.

وكتبت قصتنا على طريقة شهرزاد (خولة وخولان)، في كتاب معالم سيرة ذاتية (على طريق العمر)، إنه نثر يفوق الشعر، وهو سيرة ذاتية كما ستراه، وهذا يؤكد أن السيرة الذاتية يمكن أن تكتب شعراً.

ذلك لأنه خرج من عمق القلب، لا بد أنه يحمل شاعرية و إحساساً عميقين يكفيان ليسطرا تفوق الكتاب النثري على الشعر.

ـ أحسنت، تلك عين الحقيقة، فالأدب في عمقه هو تحليق في سماوات الشعور والإحساس، وتقاس أصالته بمقدار ما فيه من إحساس.

لقد احتلت المرأة في شعرك مساحات واسعة، هل كانت الدكتورة ملكة هي صاحبة هذه المساحات؟

ـ (متبسماً) ربع شعري عن المرأة، لقد أحببت ورقصت وغنيت حتى شبعت, فأنا لست حطبة, (يضحك) كتبت لملكة جل شعري خلال سفرها إلى صنعاء وأنا في دمشق، أشياء خاصة بنا، وهي عبارة عن سبعين ومضة ( قصائد صغيرة).

سوى الإلهام ـ وله ما له من الخطورة ـ وسوى مراجعة الأعمال الأدبية، ما الجديد الذي أضافته الدكتورة ملكة أبيض في أدب سليمان العيسى؟

ـ ملكة حريصة على انتقاء الكثير من شعري وترجمته، وأنا مدين لها بذلك، وهي صاحبة أفكار عديدة في كتبي في السنوات الأخيرة، فهي تختار من المجلدات مثلاً كل ما أكتبه عن فلسطين، تجمعه وتطبعه، وعن اليمن، وعن الأطفال، وعن المرأة، كل على حدة، ملكة كتبت عني كشاعر أيضاً، وليس كزوج، وبتجرد, فهي الناقد والقارئ الأول لأعمالي، في الديوان لها الحصة الأكبر, إنها حتى الآن ترعاني، كأول الدرب الذي مشيناه معاً منذ يوم تعارفنا، جعلتني ملكة أصر على وضع الكلمة في مكانها الصحيح، كثيراً ما غيرتُ بعض الألفاظ بناءً على اتفاقنا على رأيها، الكلمة هي لبنة البناء الأولى في النص الأدبي.

تأكيدك على أهمية الكلمة تسبَّبَ في حضور بعض أبياتك إلى باحة الوعي من ذاكرتي: “هي الكلمةْ.. هي الكلمةْ.. تصير فراشةً حيناً.. وقنديلاً على العَتَمَةْ.. وقنبلةً تَرُدُّ كتائِبَ العدوان منهزمةْ.. إذا كانت بِهَمِّ الناسِ.. بالأعصابِ ملتحمةْ”، ما أسباب تراجع دور الكلمة الشعرية في الوطن العربي؟ لم تعد الحواجز المصطنعة تقف عائقاً في وجه العمل الفني، فالسبل المتاحة للعبور أكثر بكثير من العوائق، وشعور الإنسان العربي بهمومه بات أكثر وضوحا؟

ـ لم تتراجع الكلمة، ولم يتراجع دورها، لو بقي شخص واحد في الدنيا يؤمن بالكلمة لبقيت صامدة، أنتم ترون أناساً يمشون خطوات جيدة ثم يسقطون في النهاية، ولا يفكرون بالنهوض مجدداً، أنا أشعر بالحزن عليهم، في بلادنا مواهب كثيرة وممتازة أفضل مني و من كل جيلي، لكن للأسف لا يصر أصحابها على الاستمرار، والإنتاج الأدبي الصافي سيبقى خالداً و مؤثراً، تحضرني في هذا المقام آي قرآنية كريمة: “أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال”.

لكن أثر الكلمة الشعرية بالناس اختلف عما كان عليه في منتصف القرن الماضي!

ـ دور الكلمة يتعلق بالمناخ الذي نشأت فيه، وبالتربة التي تحتضنها، وبالمعين الذي يغذيها، لا بد لها من تربة صالحة، ومنهل يروي الظمأ، واستمرار لقائلها على منهجه، إن فقدت الكلمة أحد هذه الشروط ستضيع، وأنا أحمل الشعراء الذين يهزمون المسؤولية الكبرى، الكلمة روح وجسد وعاطفة، تحتاج بكيانها إلى مكان يؤويها وينطلق بها، ولن ترى غير الشاعر الصادق سكناً لها.

الكلمة تسكن الشاعر، والشاعر يسكن المكان، ما هي علاقة الشاعر بالمكان؟ هل هي علاقة جسدية أم روحية أم عاطفية؟ أم هي مزيج من كل هذا؟

ـ (يشير بيده ملوحاً بحماس) يهمني جداً هذا السؤال، أنا ما ذهبت إلى مدينة، أو مررت بوادٍ أو نهر أو ساقية إلا وكتبت فيه قصيدة، طلب إلي صديق مقرب أن أجمع كل ما كتبت عن المكان في كتاب واحد؛ عن طفولتي وشجرة التين وشجرة التوت، النبع والساقية ونهر العاصي الذي نشأت في جواره، كان نهر العاصي يمر من أمام بيتنا في قرية النعيرية في لواء الإسكندرونة كما تعلم، ما تركت مكاناً زرته في حياتي في سورية وفي اليمن وفي العراق وفي الجزائر إلا وكتبت عنه، فأنا قد ارتبطت بالمكان وارتبط بي بشكل أساسي وجذري.

هل يعاكس هذا مفهوم تحليق الشاعر؟

ـ لا أبداً، أحس أن قدمي في المكان وإن كنت أحب أن أحلق و أتخيل، لكني دائماً أحب أن أبقى ملتصقاً بالمكان، لذلك جمعت قصائد المكان في ديوان ضخم بعنوان: (من رحلة الظمأ) أي من رحلة العمر، وكانت زوجتي ملكة قد كتبت مقدمة لديوان من دواويني عنونتها بـ: (شاعر مسكون بالمكان).

الشعر رفيقك في رحلة العمر، كيف تراه بعد كل هذه السنوات؟

ـ الشعر نبض الحياة العميق, قمة كفاح الإنسانية, لا أستطيع أن أتصور إنسانية بلا شعر، الشعر هو النبض الحي وراء البيت، والشاعر مثل البحر:

“نِدّان يا أمواج نحن، قصيدة عطشى ولج ثائر متمردُ
صُبّي على عينيَّ آخِرَ قطرةٍ
في صدرِ عوسجةِ المغيبِ تَردّدُ”.
الشعر كيان واحد في كل حالاته.

لكن النقاد يقسمون الشعر إلى ملتزم وغير ملتزم!

ـ (ينفعل) لا أحب كلمة ملتزم والتزام، قلت أكثر من مرة: إن الإنسان لا يلتزم لون عينيه ولا تنفسه الطبيعي ولا جلده, هذه الأشياء هي طبيعته، وجوده, فلماذا نصر على أن نفتعل لها التسميات? الشعر قديما كان ديوان العرب, وأنا لن أتجاوز القول إذا قلت: الشعر ساحر العرب, من تجربتي الشخصية بين المحيط والخليج وصنعاء واسكندرونة أخذت العبارة, قل عشتها رعشة رعشة.‏‏

النقاد يقسمون الأدب أيضاً إلى أدب تقليدي، وأدب الحداثة والمعاصرة!

أن تعتصر المتنبي ولوركا والمعري وغوته, ثم تقف على قدميك, وترى الدنيا بعينيك، تلك هي الحداثة والمعاصرة.

ما هي الروافد التي صبت في نهر تجربتك الشعرية؟

ـ أنا أطالع بشغف الآداب الأجنبية؛ شعراء الغرب، لأني أتقن الفرنسية والإنكليزية، وأستطيع من خلالهما أن اقرأ معظم النتاج الأدبي في العالم، قرأت مبكراً الشعر الفرنسي؛ راسين وكورن ومورني وفكتور هوجو ولامارتين وبودلير ورامبو وآخرين، وقرأت الشعر الإنكليزي وتأثرت بمدرسته الرومانسية.‏‏

مرت تجربتي الشعرية بالمدارس الشعرية المختلفة من الكلاسيكية إلى الرومانسية إلى الواقعية الجديدة، لكن أكثرها تأثيراً كان المدرسة الواقعية الشعرية الجديدة، حيث قرأت قصائد مايا كوفسكي, وبابلو نيرودا, وناظم حكمت، وترجمت مع زميلة لي مجموعة سيلدن رودمان؛ مائة قصيدة من الشعر الحديث.

فتحت الترجمة الباب أمام قصيدة النثر لتدخل إلى الأدب العربي، لكن الكثيرين يحاولونها لعجزهم عن امتلاك موسيقى الشعر، كيف يرى سليمان العيسى قصيدة النثر؟

ـ ما ذكرتَه صحيح، لكن قصيدة النثر حين يكتبها شاعر متمكن فإنها تحمل من الشاعرية والموسيقى والانطلاق ما لا يوجد في قصيدة الوزن, وقل من أجادها من الشعراء, وأنا كتبتُ الشعر المنثور لتبقى رحلتي مع الكلمة الشاعرة, أليست الكلمة هي الخلية الأولى التي تحمل سر الحياة في التعبير?‏‏

ماذا عن الثمالات الثلاث؟

ـ (يبسط كفيه تعجباً) ثلاث؟! لقد أصبحن خمس ثمالات.

خمس؟ لم أقتنِ إلا ثلاث، هل كلهن يمانيات؟

ـ لا، تجربتي في الثمالات لا ترتبط باليمن وحدها، لكن عمودها الفقري اليمن، لأنني كما تعلم كنت أعيش هناك، لكنها تحمل الكثير من تجاربي في العراق وسورية والأحداث التي تجري في فلسطين.

أمضيت في اليمن خمسة عشر عاماً بصحبة زوجتي ملكة الأستاذة في كلية التربية بجامعة صنعاء، كانت أجمل أيام عمري؛ خمسة أعوام في تعز، وعشرة في صنعاء، كانت غاية في الانسجام, ما الفرق بين صنعاء ودمشق، أو بين أي عاصمة عربية أخرى؟ تاريخ واحد, لغة واحدة, وثقافة واحدة، أجل هنا تكمن عروبة الأوطان حين لا ترى فرقاً بين مدينة وأخرى،لقد منحوني في اليمن دكتوراه فخرية، وأطلقوا على قاعتين في جامعة عدن وصنعاء اسم (سليمان العيسى)،ورغم أني كتبت فقط عن اليمن بوديانه وجباله وطبيعته وأناسه الطيبين، وقد قلت في صنعاء:‏‏

تُحِبُّها؟وَشْوَشوني, وَالتصقتُ بها‏‏
شعثاءُ منْ سفرِ التَّاريخِ غبراءُ‏‏
مَنْ منكُمُ لَمْ يجدْفيها طفولتَهُ‏‏
و تخترقْهُ- ولو لم يدرِ ـ صنعاءُ?‏‏

خلال تلك الفترة كتبت خمسة دواوين شعرية عن اليمن بأهلها وأماكنها، منها (ديوان اليمن)، و(ثمالات)، و(أمشي وتنأين)، إضافة إلى عشرات القصص للأطفال.

عندما سئل الكاتب الإنكليزي الساخر جورج برناردشو عن القصص والروايات، قال: “إنها تلهية أطفال كبار”، لكنك كتبتَ للأطفال، وكتبتَ للكبار، هل هناك فرق بين السبيلين في كتاباتك؟ وأيهما أقرب إلى نفسك؟

ـ في الحقيقة تجربتي واحدة للكبار وللصغار، إنها التجربة القومية العربية الإنسانية التي يعرفها الجميع، أنا حلم عربي، إذا أحببت أن تختصرني فأنا حلم عربي يبحث عن التحقق، من طفولتي إلى الآن أحلم، وكما تعلم الكثير من الأحلام يتكسر، لكن يبقى دائماً شيء يشدك إلى الأمام، إلى المستقبل، تظل دائماً مؤمناً بحلمك مهما تحطم ومهما خاب ومهما مر بنكبات، وكما ترى إلى الآن ما زلنا نمر بنكبات، وهذا الحلم العربي كتبت عنه ثلاثين أو أربعين سنة، وبعدها انتبهت للأطفال منذ سنة 1967م.

1967م سنة النكسة، هل غيرت النكسة طريق الحلم؟ هل جعلَتْكَ تنقل حلمك إلى طريق الطفولة؟

ـ أكتب للأطفال منذ أربعين سنة، لكن النبرة الإنسانية لم تتغير، لقد بقي الحلم هو هو أعطيه للأطفال كما أعطيه للكبار؛ ديوان للأطفال وديوان للكبار، والحلم واحد في الطريقين، وستجد سليمان العيسى في ديوان الأطفال كما هو في ديوان الكبار.

 لكنك قلت في إحدى قصائدك: “كل جيلي ألقيتُهُ في جحيمٍ.. لَمْ أُرِقْ دمعةً على أصنامي”. وكتبت عن نفسك في مقدمة ديوان الأطفال: “كان صغيراً ولكنه كتب للكبار، حلم بالعمالقة، بالأبطال يجسدون أحلامه كلها في صيحة، ولكن أبطاله ـ وألف عذر منهم ـ لم يكونوا صادقين”.
بعدها عدت فكتبت للكبار شعراً ونثراً، فهل استيقظ في كبار الأجيال المعاصرة ما نام منذ زمن بعيد في سابقيهم؟

ـ (يحمر وجهه بانفعال لكنه يحافظ على هدوء صوته) الشاعر ذو نفس ملونة، إنه يحمل نفساً تتغير مثل الغيوم كل لحظة حسب المراحل التي تمر بها، لا تحاسبني على غضب لحظي، “فشة خلق” كما يقال، أنا لم أبدل حلمي ولم أتخل عنه، لكن من الضروري أن تعبر عن نفسك في كل حالاتها، الشاعر ملون والطريق واحد، إذا فجعت بحلم من أحلامي ما المشكلة؟ حين كنت في سلك التعليم كان يمكن للحصة الدراسية الواحدة أن تشهد كل أحوال النفس الإنسانية التي تنعكس على نفس الأستاذ، فما بالك بنفس الشاعر!

على ذكر التعليم، هل كان لعملك في سلك التعليم أثر في توجهك نحو الطفولة؟

ـ طبعاً، التعليم جعلني قريباً من الأطفال، من أحلامهم، من رؤاهم، من دنياهم الثرية، وأفكارهم المحلقة، هذا القرب والاحتكاك هو الذي صقل تجربتي في أدب الأطفال.

والتعليم جعلني على معرفة بحاجات الأطفال، وما ينبغي أن يوضع في المناهج المدرسية من نصوص.

كتبت للأطفال مدة أربعين عاماً دون انقطاع، جعلتُهم همي الأول ورحت أعطيهم أجمل ما عندي من شعر ونثر، عرّبت لهم مئات القصص من روائع الأدب العالمي، وأخذت كبار شعرائنا في التاريخ؛ حوالي الثلاثين شاعراً، وجعلتهم ينزلون إلى الأطفال، ويجلسون معهم، ويقدمون أنفسهم لهذه البراعم الغضة، هذا هو المستقبل، هذا هو الحلم العربي الذي نسعى جميعاً لتحقيقه ومن هنا نبدأ وهذا هو الطريق.

تجربتك التربوية تجربة غنية أحتاج لقراءتها، أين أجدها بتفاصيلها؟

ـ (يربت كتفي بحنان أبوي) أحمد لك حرصك على تطوير موهبتك يا بني، تجدها في كتاب (طريق العمر.. سيرة ذاتية)، وفيه تقريباً ثلاثون صفحة لخصت فيها تجربتي التربوية.

اسمح لي أستاذي الكريم أن أنتقل إلى رحاب أخرى، الرحاب التي حملتني إليك، كتبتَ في إحدى قصائدك القديمة: “إِنْ شَدَتْ في الرَّوضِ ساجِعَةٌ.. فَمِنَ الأَطْفالِ تَنْتَحِلُ.. أَوْ مَشَى لَحْنٌ على وَتَرٍ.. فَالأَغاني نَحْنُ وَالغَزَلُ”..

ـ (مقاطعا وقد انتشى بروعة الكلمات): هل قلت أنا هذا الكلام؟ أنا لم أعد أذكر أين كتبت هذا، لكنه جميل، أعده علي لو سمحت..

“إِنْ شَدَتْ في الرَّوضِ ساجِعَةٌ.. فَمِنَ الأَطْفالِ تَنْتَحِلُ.. أَوْ مَشَى لَحْنٌ على وَتَرٍ.. فَالأَغاني نَحْنُ وَالغَزَلُ”..

ـ (مقاطعاً مرة أخرى، يمسك يدي): نحن؛ تعني نحن الأطفال، (منتشياً) حلوة.. حلوة للغاية..

هل كانت رحلاتك في رياض الطفولة ابتعاداً عن تعقيد اللغة الشعرية؟

ـ (يهز إصبعه نافياً) لا لا.. إنها كانت التصاقاً بصميم اللغة وبجذور اللغة، الأطفال أعادوني إلى ينابيعي الأولى، إلى لغتي الأولى، فتحوا أمامي أبواب اللغة العربية الأصيلة السهلة الممتنعة كما يسمونها، صرت أتناول الأصفى من اللغة العربية وأقدمه للأطفال، أنقى شيء أتمكن من تقديمه في اللغة قدمته للأطفال، أنا أرسم الكلمات وأبحث عن الصور بالكلمات، يستحيل أن تجد في شعري للأطفال كلمة (تقحم) مثلاً، لأنها كلمة ثقيلة متعجرفة ثقيلة الدم لا أقدمها للأطفال، لكن يمكن أن ترد في شعري للكبار، لكن إن أردت التعبير للأطفال فآتي بكلمة سهلة تحمل المعنى القريب، تختلف الأساليب، والمعنى واحد، فالكبير يحمل طفلاً في داخله، وما زلت أحدث ذلك الطفل، والصغير طفل.

هذا يشبه مقولة الكاتب الفرنسي مارسيل إيميه حين كتب في مقدمة كتابه (حكايات القط الجاثم) هذه العبارة: “أهدي هذا الكتاب لجميع الأطفال بين سن الخامسة والخامسة والسبعين”، هل على الكاتب في الأدب الطفلي أن يكتب للجميع؛ أي للطفل الكامن في عمق كل إنسان؟ وهل عليه أن يحيا طفلاً حين ينسج عمله الأدبي؟

ـ النشيد ليس له سن محددة، قد يكون للنثر وللقصة عمر معين، أما الشعر فليس له عمر معين، الطفولة حسب تقسيم علم النفس تقسم إلى أربع مراحل، حتى سن الثامنة عشرة، والشاعر الذي يكتب للأطفال يغني أناشيده الجميع؛ الطفل والمعلم والأصدقاء والأهل في المنزل، وأنا ما أزال طفلاً، مازلت أحمل في نفسي طفلاً، في نفسي يثوي طفل صغير، الطفولة هي الصفاء والنقاء والتفاؤل.

عَبَّرْتَ عن ذلك بهذه الكلمات: “أكتب الشعر مثلما يضحك الطفل ويبكي ويستغيث ويشهق”.

ـ (باسماً) تحفظ الكثير من أشعاري!

أنا تلميذك الذي يحاول الارتواء من ينابيعك العذبة، (يبتسم بتواضع).

ابتعد الأطفال عن الأدب الذي يطبع لهم، هل ترى أن الأديب اليوم يكتب للأطفال؟ أم أنه يكتب للندرة من الكتاب أمثاله؟

ـ بالنسبة لي أحب أن أكون عفوياً دائماً، و أن أكتب لكل إنسان، أن أكتب للجميع، هذا البيت:”أنا عصفور ملء الدار.. قبلة ماما ضوء نهاري” تغنيه كل العائلة، لدينا بعض الكتاب يكتبون للطفل، لكنهم لا يسلكون هذا الطريق بجدية، هم يتمنون الوصول للأطفال، لكن جهودهم في هذا السبيل تعتبر جهوداً ثانوية، ربما لعجزهم عن الكتابة للطفل، فهم لا يملكون مقومات الكتابة في أدب الأطفال، ومع ذلك يكلفون أنفسهم عناء هذا الطريق، لا بدّ من التأكيد على أن كثيراً من المفاهيم الخطأ قد رافقت مسيرة أدب الطفل منذ لحظة نشوئه المتأخرة فيالمشهد الثقافي العربي، حيث استسهل كثيرون الكتابة للطفل، فراحوا يحشون ذهنه بالعجائب والغرائب، أو بالقصص المؤدلجة المتكئة على شعارات متداولة في الحياة السياسية والفكرية، أو بقصص الخوارق والأعاجيب، هذا بالإضافة إلى كلّ ما يمكن تقديمه للطفل من معارف ومعلومات لا يمكن اعتبارها أدباً على الأقل لأنها بالرغم من نبالة مقاصدها التربوية لا ترقى لأن تسمى كذلك.

هذا ما عبر عنه توفيق الحكيم بقوله حين تحدث عن تجربته في كتابة قصص الأطفال عام 1977:
“إن البساطة أصعب من التعمّق، وأنه لمن السهل أن أكتب وأتكلّم كلاماً عميقاً، ولكن من الصعب أن أنتقي وأتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع بأني جليس معه، ولست معلماً له، وهذه هي مشكلتي مع أدب الأطفال”.

ولا أستطيع ـ أستاذي الكريم ـ أن لا أتمثل بشعرك في هذا المقام، فأنت كتبت: “اللفظةُ الحلوةُ يلهو بها.. مستغرقٌ في حُلُمٍ دافِئِ.. لَمْ يستَطِعْها مَرْكَبٌ مُجْهَدٌ.. يُصارِعُ الموتَ إِلَى الشَّاطِئِ”.

ـ (بسعادة طفولية واضحة في وجهه) أنت لا تعلم مدى سعادتي حين أسمع كلماتي ترددها حناجر الأجيال الشابة، هذا الشعور جربته مرة حين كنت في طريقي عائداً، ولمحت طفلاً في المرحلة الابتدائية، يلبس صدرته ويحمل على ظهره حقيبته الواعدة، ويدفع بقدمه أوراقاً خريفية صفراء سقطت من شجرة مجاورة، ويغني: “ورقات تطفر في الدرب.. والغيمة شقراء الهدب.. والريح أناشيد.. والنهر تجاعيد.. والفصل خريف”.

يستحق شاعرنا الذي أدخل فرحة الموسيقى الشعرية إلى قلوبنا أن ندخل إلى قلبه الفرحة، إنها أقل ما يمكن أن نقدمه عرفاناً بالجميل.

ـ (يبتسم بتواضع وحياء) أشكرك يا بني.

في شعر الأطفال الذي قدمتَه جئتَ بالجديد الذي لم يَرُقْ للبعض؛ جئت بالصورة الموحية للأطفال: “عصفورُ طَلالْ.. شَلاَّلُ جَمالْ”، وحجتهم أن الصورة لن تصل للطفل، فهي بعيدة عن المحسوسات، وجئتَ بأفكار جديدة تخالف ما اعتاد الأدب نقله إلينا، مثلاً حين غيرت الأحكام في قصة النملة والصرصور، فوضعتَ اللوم على النملة البخيلة، وكانت القصة في السابق تمجد بخلها، وجعلتَ الصرصور شاعراً يدفع الفلاحين للنشاط بعذب غنائه: “يا كادِحَةَ الصَّيْفِ الأَزْرَقْ.. يا صاحِبَةَ البابِ المُغْلَقْ.. كَيْفَ تَرُدِّينَ المُحْتاجْ؟! حَجَرٌ قَلْبُكِ.. ليلٌ داجْ.. الدُّنْيا صَحْراء.. لَوْلا قيثارَةْ.. مَرْحَى لِلشُّعَراءْ.. مَرْحَى يا جارَة”، هل ما زال لفرسان الخيول الخشبية أثر أمام النسغ الجديد لألحان الطفولة العذبة؟

ـ مع الأسف نظرة الشعراء للطفل أنه لا يستحق الاهتمام، أنا أرى أن الطفل هو إبداع في ضحكه، إبداع في بكائه، إبداع في لعبه، وآتي إلى أحلام الطفل وأمانيه فأجد فيها الكثير من الأشياء العميقة، فأصوغ منها ما يغنيه الطفل بلغة مناسبة، وإن كانت الصورة صعبة على متناول الطفل، فأنا لا أحمل الطفل مشقة فهمها، ليس من الضروري للطفل أن يفهم، بل أن يغني، وليفهم عندما يكبر، إذا غنى الطفل الأنشودة، ستبقى صورها معه حتى يكبر، فيرى فيها أشياء جديدة لم يكتشفها في طفولته، “ماما ماما.. يا أنغاما” فلسفة، و”بسمة أمي سر وجودي” فلسفة أيضاً، قلت للمربين والمعلمين في توجيهات أناشيد الأطفال: “لا تشرحوها للأطفال، الطفل رادار عجيب يلتقط كل شيء، دعوا هذا الرادار يلتقط الصورة، وبعدما يكبر يستوعب هذه الصورة.

إذاً هو مزج الواقع بالخيال؟

ـ نعم يا بني، أنا أمزج الواقع بالخيال؛ “أنا عصفور ملء الدار” خيال سيبقى مع الطفل حتى يكبر، و”يدها الحلوة تمسح شعري” واقع، ولن تجد أغزر ولا أبعد من أحلام الأطفال وإن لم يعبر الطفل عنها، أذكر مرة أن ابني جلس في حضني عندما كان طفلاً وكان الوقت مساءً، والقمر يملأ السماء بضيائه فقال لي: “أعطني القمر لألعب به يا أبي”، إنها صورة شعرية جميلة راسخة في ذاكرتي، أقول للذين لا ينظرون للطفل هذه النظرة العميقة: إنكم خشب جاف، وأعجب كثيراً ممن يضرب الطفل، إنهم خشب جاف، فالطفل أنشودة خضراء ندية تغني وتغني، الصورة الجميلة وإن كانت صعبة على فهم الطفل لكنها تبقى ممزوجة بالواقع.

هذا ما فعله الشيخ الوالد حين دعاك وأنت في لعبك مع أقرانك الأطفال لتحفظ قصيدة المتنبي الباذخة: “وا حَرَّ قلباهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ.. وَ مَنْ بِجِسْمي وَ حالي عندَهُ سَقَمُ”.

ـ (يبتسم بسعادة) نعم، أين قرأت هذه القصة؟

في مقدمة ديوان الأطفال.

ـ حلوة، حلوة، أنا حفظتُ القرآن الكريم حين كنت في السادسة من عمري، طبعاً ابن السادسة يمكن أن يحفظ القرآن لكنه لن يفهمه في تلك السن، وحفظت قصائد المتنبي والمعلقات، وقد ظلت معي صورها وتراكيبها، وأصبحت في ذخيرتي اللغوية.

نعرف أنك لم تكتب أنشودة للأطفال إلا ولها بطلها أو بطلتها الواقعيان، هل ما زلت على صلة بأبطالك بعدما كبروا؟

ـ نعم بعضهم أزورهم ويزورونني، وقد كبروا، أما الطفولة فيبقى نبعها فياضاً بموجات من الأطفال، يتجمعون حولي في الطرقات، في الحدائق، نلتقط الصور معاً، ونغني معاً، فجميع الأطفال ما زالوا أطفالاً، مي تكبر وتأتي مي غيرها، الأطفال مثل موج البحر يتجدد كل دقيقة.

كتبت في ديوان الأطفال الأول: “أنا من صفدِ.. سرقوا بلدي”، “وجوهٌ غريبة.. بأرضي السليبة”، “نحنُ حكايات يا بان.. يبكي فيها كلُّ بيان”، “وصارَ بيتُ جدِّكِ الحبيبْ.. يحتله مستوطنٌ غريبْ”، هذه اللغة البكائية التي انطلقت من قلب الشاعر ليقرأها الأطفال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، هل تناسب أطفال اليوم؟ أم أن على شاعر الأطفال أن يكتب في مواضيع جديدة ولغة مختلفة؟

ـ دائماً أعطي الواقع مع الحلم، أصف الواقع السيئ وأكتب الحلم الجميل في القصيدة ذاتها؛ أعطي النكبة كما يعيشها الأطفال ولا أخفيها، فعندما تنزل قنبلة يراها الأطفال ويشعرون بها ويتأثرون بها، لم لا نتحدث لهم عن حقيقتها؟ لكنني في القصيدة ذاتها أعطي الأمل والتفاؤل والحلم الجميل.

لكن المفكر الفرنسي فرنسوا ليونار ذكر ـ عام 1986 في كتابه (شرح ما بعد الحداثة للأطفال) ـ اختلاف أطفال اليوم عن أطفال الأمس، وأن على الأدب مراعاة هذا الاختلاف، والقائمون اليوم على المؤسسات الثقافية يرون أن وظيفة أدب الأطفال هي نقل الصورة المشرقة فقط، فما رأيك؟

ـ الاختلاف يكون في الوسيلة، الآن تصل الأنشودة إلى الطفل عن طريق الحاسب والرائي ملحنة ومغناة، أما أن نتوقف عن نقل الهموم للصغار فلست معهم في ذلك، يجب أن نعطي نور الأمل والتحدي مقابل الانكسار في الأنشودة ذاتها، خذ مثلاً أنشودة (فلسطين)، في الأنشودة تجد: “وجوهٌ غريبة.. بأرضي السليبة..تبيعُ ثماري.. وتحتَلُّ داري”، هذا واقع مؤلم، لكنك تجد في الأنشودة ذاتها: “وأعرف دربي.. ويرجع شعبي.. إلى بيت جدي.. إلى دفء مهدي”، هذا هو الحلم.

وجدتَ في براءة الطفولة ملجأً من عذاب الكون، وطريقاً للخلاص، فكتبت: “لَوْ يَعيشُ الكَوْنُ طِفْلاً ساعةً.. بَرِئَتْ فيهِ الجِراحُ القاسِيَة”، وتلونت كتاباتك للأطفال بلونين رئيسيين، اللون القومي، واللون الإنساني، ما هو الأقرب إلى نفس الشاعر سليمان العيسى في مجموع عطاءاته للطفولة؛ هل هي القصائد ذات البعد القومي مثل أنشودة (فلسطين داري) وأنشودة (قطار العرب) وغيرهما؟ أم القصائد ذات البعد الإنساني مثل أنشودة (منى والعصافير) وأنشودة (طفلة القبو هدى) وغيرهما؟

ـ الصورة الشعرية الحلوة تأتي في البعدين القومي والإنساني، وهما بعدان ممتزجان في نفسي لا أفصل بينهما، وإلا لكنت كمن نشر نفسه نصفين، ولا أقبل البعد القومي إن لم يمتزج بالبعد الإنساني، والبعد القومي يشير بوضوح إلى رسالتنا الإنسانية منذ فجر التاريخ، حيث تجد امتزاج البعدين في كل أدبياتنا القديمة، ولا أقصد بأدبياتنا القديمة التي تعود إلى تاريخنا في الجزيرة العربية، بل إلى كل ما سطرته أمتنا على امتداد التارخ:

وأَبْعَدُ نَحْنُ مِنْ عَبْسٍ
وَمِنْ مُضَرٍ نَعَمْ أَبْعَدْ
حمورابي وهاني بعلُ
بعضُ عطائِنا الأَخْلَدْ
لَنا بلقيسَ والأهرامُ
والبُرْدِيُّ والمَعْبَدْ
ومِنْ زيتونِنا عيسى
ومِنْ صحرائِنا أَحْمَدْ.

أدب الطفولة هو أدب عذوبة اللفظة وجمال الإيقاع ورشاقة العبارة وموسيقاها الواضحة، هل كان للعرب تراثهم القديم في مجال أدب الطفل؟

ـ لو نظرنا إلى الأدب القديم فيمكن اعتبار حكايات ألف ليلة وليلة و قصص السندباد من أدب الطفل، أما في العصور المتأخرة فهناك القليل جداً من الأناشيد التراثية التي تناقلتها الأجيال، وكلها من أجل رقص الأطفال الصغار، وهذا ليس عندنا فقط، فعند الرومان وعند اليونان فقر في أدب الأطفال في تراثهما، قلت في مقدمة ديوان الأطفال أن أحداً لم يكتب للأطفال في العالم العربي، ولم نبدأ إلا في أواسط القرن العشرين، وهذا ينطبق على تراث الشعوب الأخرى المحرومة من الأدب الطفلي في كل أنحاء العالم.

إذاً وأنت الرائد، كيف ترى واقع ومستقبل أدب الأطفال العربي؟

ـ بدأ أدب الأطفال العربي في أواسط القرن العشرين، مازال نباتاً جديداً في كل البلاد العربية يبشر بخير لكنه لم يؤت أكله حتى الآن، أنا صبرت وتابعت، بينما انقطع الآخرون، وهو أمر يحزنني.

هذا الانقطاع أين يضع أدب الأطفال في المشهد الثقافي العربي؟

ـ ما زلنا في البداية و أتمنى أن نتابع، لكن الكتاب عندنا لم يأخذوا الأمر جدياً، فالكتابة للطفولة ما زالت فض عتب كما يقال، الأمة التي تبني نفسها عليها أن تبدأ بأطفالها، الطفولة هي الينبوع، وهي التي يجب أن تحتل المرتبة الأولى في قائمة الاهتمامات.

كيف يمكننا تقييم حجم الهوة بين أدب الأطفال العربي و أدب الأطفال الغربي؟ وهل ترجع هذه الهوة إلى فقر الوطن العربي بكتاب أدب الطفل، أم إلى عوامل أخرى؟

ـ بدأ أدب الأطفال الغربي في منتصف القرن التاسع عشر على يد فيكتور هيجو في فرنسا، وتولستوي في روسيا، بينما بدأنا نحن في أواسط القرن العشرين، الفارق الزمني مئة سنة، كنا مستعمرين بينما هم ساعدتهم ظروفهم وتقدم التكنولوجيا، حين أزور ابنتي بادية في كندا أذهب مع أحفادي إلى مكتبة مونتريال، لقد رأيت تطوراً كبيراً في كتب الأطفال وفي الكتابة للأطفال، نحن ما زلنا في أول الطريق.

في المشهد الثقافي العربي، من هم أدباء الأطفال العرب الذين يمكن ذكرهم؟

ـ في مجال القصة هناك زكريا تامر، إنه كاتب عالمي، في مجال الشعر هناك البعض الذين لا أتذكرهم الآن، لكني آخذ عليهم القلة والانطفاء المبكر، الاستمرار هو الذي يعطي أدباً طفلياً هاماً يحتفي بألحان الطفولة، عبرت عن الاستمرار ببيت من الشعر: “حسب لحن ينتهي في وتري.. أنه في صدر غيري يبدأ”.

لثقافتنا العربية خصوصيتها، هل يمكن لأدب عربي طفلي أن ينشأ ويستمر بمعزل عن الأدب الإنساني؟

ـ لم يزل الأدب العربي الطفلي في البدايات كما قلت، وإن كانت هناك محاولات جادة، قصص ألف ليلة وليلة أخذها الغربيون وطوروها بأشكال وقوالب مختلفة، ونحن ما زلنا نتناولها بطريقة واحدة تقليدية، وهي مثال لأدب طفلي عربي وصل إلى العالمية، لكن أن نستمر دون أن ننهل من تجارب المتقدمين فهذا يسبب انطفاء الشعلة في أدبنا الطفلي العربي.

للنشر دور بارز في عالم الأدب الطفلي الغربي، ما دور النشر ومؤسساته في صياغة الفضاء الأدبي الطفلي في العالم العربي؟ وهل يمكننا القول أن القائمين على دور النشر في الوطن العربي هم أحد أسباب ضحالة المستوى؟

ـ دور مؤسسات النشر في العالم العربي دور طفيف وسيء، أنا متشائم من هذه الناحية، أنا ما زلت حتى الآن حين أكتب كتاباً أتعب حتى أعثر على ناشر يتبنى نشره، إنهم يعتبرون الأدب الطفلي أدب تسلية لا يدر ربحاً، نعم سوء النشر يعتبر أحد أسباب ضحالة المستوى، لكن هناك أسباب أخرى.

كُرِّمْتَ في محافل كثيرة، ما الذي يضيفه التكريم للمبدع؟ وما هي انطباعاتك عن تكريم المبدعين في العالم العربي؟

ـ الجوائز التكريمية خطوة إيجابية، لكنها يجب ألا تصبح هدفاً للمبدع، بل أن يصبح المبدع هدفاً لها، والقيمة المادية يمكن أن تنفع المبدع، لكنها تأتي عادة في وقت متأخر.

في حفل التكريم الذي دعتني إليه مؤسسة البابطين للإبداع الشعري قلت: “أن يتحول بعض المال العربي إلى ثقافة و فن و شعر و إبداع فهذا عمل جدير بالاحترام و الاعتزاز و التقدير في تاريخ أمتنا المعاصر، نعتز به جميعاً، نتمنى لهذه البادرة الرائعة أن تنتشر و تعم، لكي تأخذ الكلمة العربية حقها وهي التي توحدنا، وبعدها لابد أن تأخذ دورها في الحياة”.

التكريم الحقيقي الذي أشعر به أنني حملت الجمرة في يدي والكلمة على لساني, ورحت أغني حلماً عربياً وهبته حياتي وشعري، قلت هذا الكلام أثناء تكريمي في اليمن للرئيس علي عبد الله صالح.

غنيتَ للوحدة كثيراً، ما الذي تحقق منها؟ ألم يخالج قلبك اليأس في بعض الأحيان؟

ـ (بنبرة هادئة كأنما يحدث نفسه) حين ارتفع علم الوحدة اليمنية على شاطئ عدن سبقته دمعة فرح في عيني، نعم في ذلك اليوم الأغر، كانت الوحدة اليمنية حدثاً رائعاً، أعاد إلينا الأمل الذي فجعنا به في وحدتنا بين سوريا ومصر، الوحدة العربية ستعيش هنا وهناك، وهي قادمة يوماً لا محالة لتشمل هذه الأرض العربية كلها طال الزمن أم قصر، وأذكر مرة أنني سئلت هذا السؤال، فأجبت: “يكفي أن الوحدة العربية حققت شكلاً من أشكالها في أسرتي، فابنتي الدكتورة بادية متزوجة من مهندس وفنان جزائري، أليس هذا وجه من وجوه الوحدة العربية؟”.(يضحك)

على ذكر ابنتك الدكتورة بادية، أنت غنيتَ للوطن كثيراً، لكن كل أبنائك يعيشون خارج الوطن، ما السبب؟

ـ ابنتي بادية في كندا تعمل طبيبة، وابني معن طبيب في دبي، وابني غيلان طيار مدني في الخليج، الهجرة والسفر بسبب ضغط الحالة المادية، (بأسى) يبقى الواقع في بعض مفاصله أقوى من الحلم، لكنه لا يستطيع أن يطفئ جذوته.

لم لم يسلك أبناؤك أو أحدهم دروب الأدب؟ مع أنهم ترعرعوا في بيئة مغمسة بالأدب؟

ـ سؤالك وجيه، نحن لم نتدخل في اختياراتهم، لكن ابني معن كانت له كتابات متميزة في القصة القصيرة، وفي تقديري الشخصي لو أنه تابع لأصبح من أعلام القصة، (يضحك) لكنهم على ما يبدو آثروا الابتعاد عن طريقة أبيهم في السير في الطريق المتعبة.

أستاذي الكبير، ما زلتُ أتلمس الخطا في دروب شعر الأطفال، بم تنصحني؟

ـ أتمنى يا ولدي لأدب الطفل العربي التقدم والازدهار والاستمرار، أتمنى لهذا النبات أن يؤتي أكله، كما أتمنى منك يا مصطفى أن لا تنطفئ كما انطفأ الكثيرون، فأناشيدك التي قرأتها قبل قليل لا تحتاج إلى شهادة سليمان العيسى، أنت قطعت شوطاً جيداً، ثابر على الكتابة واخدم الكلمة الشعرية الرشيقة الموحية والمعبرة، القصيدة الطفلية متعبة، لكنها حين تكتمل تصبح تحفة رائعة، أتمنى لك التوفيق.

في اتصالِكَ الهاتفي ذكرتَ أنَّكَ أنشأتَ نادياً للأطفال، حدثني عنه؟

نعم، منذ سنوات خمس اجتمع في عيادتي الريفية عدد من الصبيان والبنات من تلاميذ المرحلة الابتدائية، كل منهم كان يحمل صفحة كتب عليها ـ بتشجيع مني ـ محاولة أدبية، جمعت هذه الأعمال لتقييمها في مسابقة بسيطة، فوجدت أن البعض من الأطفال يملكون مواهب مبشرة، فأنشأت نادٍ يضم الأطفال أصحاب المواهب الأدبية، وأصبحنا نلتقي كل أسبوعين في يوم العطلة في مقر اتحاد الكتاب العرب في مدينتنا إدلب، أقرأ لهم، وأستمع إلى قراءاتهم، وأعطي ملاحظات حول ما يكتبون، ويقدم اتحاد الكتاب مشكوراً بعض المكافآت الرمزية المشجعة، كما نقوم برحلات ترفيهية ثقافية إلى المناطق الأثرية.

ـ (منتشياً) رائع، إن الطفل عندما يتمكن من التمييز بين الأنا والآخرين والعالم من حوله، يبدأ عنده النشاط الجسدي والذهني، عندما كنت صغيراً كتبت أولى محاولاتي الشعرية:

ألا يا أيها الفقراء موتوا‏‏

لكم في جنة الفردوس قوتُ‏‏
إن الصغير مثل الكبير يحلم ويشعر بالجمال، ويعاني من الإحساس بالقلق وعدم الاستقرار، والتوافق مع سلوكيات الآخرين، ومن ثم افتقـاد الأمـان، وقد يفكر في الحلول الخارجية، وربما الهروب من المنزل أو الهجرة والغربة، وكذلك يمكن تفسير الهروب للداخل أو الانطواء وحالة الاغتراب، وربما الكتابة، ويظهر ذلك بوضوح في الإبداعات المختلفة الفنية والأدبية، تجربة رائعة أهنئك عليها، جعلتني أشتاق للقاء أطفال ناديكم.

يُشَرِّفُ نادينا أن يستضيف شاعرنا الكبير في الوقت الذي يحبه.

ـ زرت إدلب كثيراً في شبابي، ولي فيها أصدقاء كثيرون، وإن زرت حلب فسأحاول زيارتكم، سأكون سعيداً باللقاء بالبراعم الواعدة، لكن لا أستطيع ـ وأنا في هذه السن ـ الذهاب إلى أي مكان إن لم تكن بصحبتي زوجتي لتقوم بمساعدتي في الحركة، منذ مدة دعيت للمشاركة في مهرجان شعري في القاهرة فاعتذرت منهم، لكنهم أصروا على حضوري، فاشترطت دعوة زوجتي إلى المهرجان.

شاعرنا الكبير سليمان العيسى.. ستبقى شجرة التوت توزع ثمارها أحلاماً كبيرة لتصوغ منها حبك الكبير لوطنك الكبير، فمن هذه الأحلام أصبح حبك لرملة وليلاس ولين ومي وأليسار حباً عاماً يشملنا جميعاً، هذا الحب الذي يشد أيادينا حين تقول في إحدى قصائدك:

ما زالَتْ يَدايَ وَقَدْ تَيَبَّسَتا
تَمُدَّانِ الظِّلالا
عَلَّ الرِّمالا
عَلَّ الطُّفولَةَ تُنْبِتُ العُشْبَ الذي
يَهَبُ النُّشورَ المُسْتَحيلَ
يُفَجِّرُ الغَيْبَ المُحالا

نشكرك الشكر الجزيل أنك أتحت لنا من وقتك هذه الساعات، نتمنى أن نراك دائماً في صحة وعافية وعطاء.

قبل أن نغادر قال لنا الشاعر: سأهديكما أحد كتبي، (مد يده) ساعدني على الوقوف يا ولدي، (ساعدته، وقف منتصباً واعتمد على عكازه، يبتسم مشيراً إلى عكازه) أرأيت! أجر عكازي، أو هو يجرني. (مشى نحو المكتبة في غرفة الصالون، أخرج منها كتاباً متوسط الحجم) هذا كتاب الحنين، صدر في احتفالية حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، (جلس وخط داخل الغلاف بخطه الأنيق: “إلى العزيزين مصطفى وسنا”، ورسم توقيعه الجميل، ناولني الكتاب ضاحكاً)، أنا لا أحتفظ بكتبي، وقد تنبهت إحدى صديقات العائلة لهذا الأمر، فتولت مهمة جمع كتبي التي أصدرها، وأصبحت المرجع الأساسي لمؤلفاتي.

وَدَّعَنا الشاعر بحفاوته وتواضعه، فخرجنا ونحن نكبر فيه ـ وهو ابن الثامنة والثمانين ـ همته الكبيرة في العطاء والإبداع، وذكاءه الوقاد، ونفسه الحية التي مازالت تتدفق بالطفولة الرائعة.

أجرى الحوار الدكتور مصطفى محمد عبد الفتاح