/«سلطة الاتّصال» يرصد دور الوسائط في تشكيل العقل

«سلطة الاتّصال» يرصد دور الوسائط في تشكيل العقل



تشكّل وسائل الإعلام المتعدد الوسائط (تعرف أيضاً باسم الـ «ميلتي ميديا»)، مصدراً رئيسيّاً للاتّصال المنتشر اجتماعيّاً، بمعنى قدرته على الوصول إلى المجتمع في عمومه. وتجري عملية تأطير عقل الجمهور إلى حدّ كبير، عبر عمليات تحدث في وسائل الإعلام.
من تلك النقطة، تأتي أهمية كتاب «سلطة الاتّصال» لمانويل كاستلز، الصادر أخيراً عن «المركز القومي المصري للترجمة»، وأنجز ترجمته الزميل محمد حرفوش.
واللافت في الكتاب الذي يضم 722 صفحة، أنه يحتفي بتكنولوجيا الحرية والإنترنت والهواتف المحمولة وبرامج التواصل الاجتماعي. بقول آخر، يفتح الكتاب باب الأمل، ويبثّ الثقة في نفس الفرد العادي، إذ ينبه كل فرد إلى أنه يوجد «هناك في مكان ما، شخص ما قد يشاركك أفكارك وهمومك، ويقول لك: لا تكابد ألمك وحيداً، بل انهض وتكلم وخاطب مشاركيك في الهموم، لعلك تستطيع أن تخلق تياراً من الأفكار الجديدة التي تستطيع في يوم ما، أن تمثل سياسة متمرّدة وقيماً جديدة».

ووفق مقدمة المترجم، يتضمن كتاب كاستلز حديثاً عن السلطة والإعلام والحركات الاجتماعية وآليات الحشد، ما يجعله صالحاً ليكون إطاراً نظريّاً لـ «ثورة 25 يناير» في مصر. ويهدف الكتاب أيضاً إلى محاولة فهم العالم، وعرض كيفية سيره واقعيّاً.

وفي الكتاب، يرى كاستلز أن العالم مكوّن من شبكات. ولا يقتصر ذلك الوصف على «العالم البشري والمجتمع الإنساني بل الحياة البيولوجية أيضاً. هناك شبكات بين الأفراد، وشبكات بين الشركات الاقتصادية وشركات الإعلام العملاقة والصغيرة، وشبكات بين مؤسسات السلطة في الدولة الواحدة، وبين الدولة والدول الأخرى، وهناك تشابك أيضاً بين هذه الشبكات كافة بدرجات متفاوتة، وفق برنامج كل شبكة وأهدافها».
ووفق أحد التعريفات الواردة في الكتاب، يمثّل الاتّصال مشاركة في معنى ما عبر تبادل المعلومات، كما أن عملية الاتّصال تحدّدها تكنولوجيا الاتّصال، وخصائص المرسلين والمستقبلين المعلومات، ورموزهم الثقافية والمرجعية، وبروتوكولات الاتّصال ونطاق عملية الاتّصال. وبقول آخر، لا يمكن فهم المعنى إلا في سياق العلاقات الاجتماعية التي تعالَج فيها المعلومات وعملية الاتّصال. ولأن المعنى هو الذي يحدّد الفعل إلى حد بعيد، يصبح المعنى الاتّصالي مصدراً للقوة الاجتماعية عبر تشكيل العقل البشري.

اقرأ أيضاً  أبطال الخيبة

ويشار إلى أن مؤلّف الكتاب يبدي حرصاً على التدقيق العلمي، إذ يستقي معلوماته من عدد هائل من الدراسات المباشرة التي أنجزها بنفسه أو شارك فيها، إضافة إلى تلك التي أنجزها آخرون. وكذلك يستعين المؤلف باستطلاعات رأي أجرتها مؤسّسات مختصّة، فضلاً عن اعتماده على عدد كبير من المراجع العلميّة في التنظير والتأصيل.

سلطة الدولة… سلطة المجموعة

يشير الكتاب إلى أن السلطة الفعليّة تستند إلى السيطرة على الاتّصال والإعلام «سواء كانت السلطة العملاقة للدولة وشركات وسائل الإعلام الكبرى، أم السلطة الصغيرة للمنظمات من كل نوع».
وفي كتابه، يشرح كاستلز بشيء من التفصيل طُرُق ترويج الإعلام لفكرة سياسيّة ذات طابع شخصي، في ظل إعلام متعدّد الوسائط تغلب عليه صناعة الصورة. ويضيف: «تدور الحملات الانتخابية حول شخصية المرشح. وعلى رغم أن ذلك ينطبق بصفة خاصة على الولايات المتحدة، فإن نظام العولمة وشركات الإعلام التي تشمل العالم، جعلت نمط الإعلام الأميركي في تغطية الحياة السياسيّة والحملات الانتخابيّة، يشمل العالم أيضاً».

يتحدث كاستلز عن «السلطة في مجتمع الشبكات». ويرى أن السلطة هي أكثر العلميات أصوليّة في المجتمع، لأن القيم والمؤسسات هي التي تحدّد المجتمع، لكن كل ما له قيمة ومؤسّساتي تحدّده علاقات السلطة».

ويبيّن كاستلز أيضاً أنه في مجتمع الشبكات تجرى إعادة تعريف مفهوم السلطة، مشيراً إلى استمرار الصراعات الاجتماعيّة، وإلى أن الهيمنة تتغيّر بالتناسب مع المقاومة ووفق البناء الاجتماعي الخاص الذي خرجت الهيمنة منه، والتي تسعى إلى تعديله أيضاً. ويقول: «السلطة تحكم، والسلطة المضادة تقاوم، والشبكات تعالج برامجها المتناقضة، بينما يحاول الناس العثور على معنى لمصدر مخاوفهم وآمالهم».

وعبر صيغ معاصرة، يعرض كاستلز طُرُق ممارسة السلطة وصنعها داخل الشبكات. ويلفت إلى أن سلاسة عمل مؤسسات المجتمع لا تنتج من قدراتها القضائية والأمنيّة في إجبار المواطنين على الإذعان. ويقول: «في الواقع، تصبح الشرطة تهديداً للمواطنين الملتزمين بالقانون الذين ينظمون حياتهم بعيداً قدر الإمكان عن أروقة الدولة، في المجتمعات التي أصبحت فيها المؤسّسات مختلّة وظيفيّاً بسبب اختراق الشبكات الإجرامية العميق لها، إذ إن الطريقة التي ينظر بها الناس إلى المؤسّسات التي يعيشون في ظلها، وكذلك طريقة ارتباطهم بثقافة الاقتصاد والمجتمع، هي التي تحدّد هوية صاحب السلطة (بل تحدّد له أيضاً) طُرُق ممارستها».

اقرأ أيضاً  مجزرة الأنفال «ذكريات منقوشة على حجر»

ويتناول كاستلز ما يسميه «نطاق علاقات السلطة»، لافتاً إلى أنها واسعة تماماً، بل تتضمن علاقات السلطة السياسيّة التي توفر إمكان الوصول إلى مؤسّسات الحكم وإدارتها.

ويبحث كاستلز في ضرورة شبكات الاتّصال في بناء السلطة السياسيّة والسلطة المضادة، مشيراً إلى أن مالكي شركات شبكات الاتّصال يقدّمون منبراً لبناء المعنى من جانب الفاعلين اجتماعيّاً.

 

سلوى عبد الحليم

صحيفة الحياة