/القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية

القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية



ينطوي موضوع كتاب «القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية» (مركز «تفسير» للدراسات القرآنية- السعودية) على أهمية كبيرة، فهو لا يمثل التزاماً دينياً وعلمياً فقط لكونه إحدى وسائل الدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف ومصادره في شكل أكاديمي وعلمي يتسم بالموضوعية، بل يمثل أيضاً التزاماً قومياً ووطنياً نظراً إلى خطورة ما تهدف إليه هذه المقالات الموسوعية من تشويه صورة الإسلام والمسلمين بغرض تحقيق مصالح دينية وسياسية. كما أن تزايد الاهتمام بدراسة الموضوع وما يتعلق به من الممكن أن يؤدي، وفق المؤلف أحمد صلاح البهنسي، إلى توضيح الصورة الصحيحة للإسلام ومقدساته وربما حدوث صحوة في مجال الدراسات الإسلامية الأكاديمية المهتمة بالرد على الفرضيات الاستشراقية بعامة، والفرضيات الاستشراقية اليهودية والإسرائيلية بخاصة. يُشير الكتاب إلى أن «المدرسة اليهودية في الاستشراق»، ظهرت وتكونت في العصر الحديث وأهم مجالاتها الدراسات الدينية المقارنة بين اليهودية والإسلام، بهدف رد القرآن الكريم إلى العهد القديم. ومن أبرز المؤلفات في هذا الصدد كتاب الحبر اليهودي الألماني أبراهام جايجر «ماذا أخذ محمد عن اليهودية؟»، والذي ترجمه إلى الإنكليزية ف . م يونغ عام 1898. أيضاً قام المستشرقون اليهود والإسرائيليون، بنشر أفكارهم وإيديولوجياتهم الاستشراقية عن القرآن الكريم في مؤلفات ومجلدات ضخمة، إضافة إلى نشرها في موسوعات ودوائر معارف كبيرة كُتبت بالإنكليزية والعبرية. ووردت مقالات عدة في الموسوعات اليهودية عن القرآن الكريم وما يتعلق به حملت عنوان «القرآن»، أو «قرآن»، ورد بعضها منسوباً إلى محرر أو مؤلف معين، وبعضها لم يتحدد مؤلفها أو محررها.

وحصر الباحث النقاط الأساسية التي تناولتها تلك المقالات في ما يلي: التعريف بالقرآن ومكانته لدى المسلمين، محمد ( صلعم) والقرآن الكريم، طبيعة «الوحي القرآني»، وكيفية نزول القرآن؟ ألفاظ القرآن الكريم، البناء الأدبي للقرآن الكريم وتقسيمه إلى مكي ومدني، الشرائع والمعتقدات في القرآن الكريم، قصص القرآن، ترتيب وتدوين القرآن الكريم وجمع المصحف وترقيم آياته، تفاسير القرآن الكريم، علاقة القرآن الكريم باليهودية والنصرانية، ترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية لاسيما الترجمات العبرية منها. وتناولت الدراسة التعريف بالموسوعات اليهودية التي وردت فيها مقالات عن القرآن الكريم، من حيث نشأتها وتاريخ كتابتها وطبعاتها المختلفة والظروف التي ظهرت فيها، والمؤسسات التي أصدرتها وتبنت نشرها، وجمع وحصر وترجمة المقالات الموسوعية بالعبرية والإنكليزية عن القرآن الكريم في هذه الموسوعات، وحصر ووصف وتصنيف المطاعن والفرضيات المتعلقة بالقرآن الكريم بها، ونقد المطاعن والفرضيات المتعلقة بالقرآن الكريم في هذه المقالات من خلال استعراض ووصف الفرضية الواردة في الموسوعة اليهودية حول القرآن الكريم، والمقارنة بين النص القرآني والنص اليهودي أو النصراني أو الوثني المردود له بغية الوقوف على أوجه التشابه والاختلاف، ومعرفة إذا كان هذا التشابه حقيقياً وكاملاً ويتعلق بالمضمون، أم أنه تشابه ظاهري وسطحي ومنقوص. وتكمن أهمية ذلك في أن معظم الكتابات الاستشراقية حول القرآن تعتمد وجود تشابه بينه وبين مصادر دينية يهودية ونصرانية ووثنية أساساً لما يعتبرونه تأثيراً وتأثراً، أو اقتباساً من هذه المصادر. لدرجة أن البعض اعتبر أن الكتابات الاستشراقية تتخذ منهج التأثير والتأثر أساساً لها في فرضياتها حول القرآن الكريم والاستعانة بالأدلة والشواهد التاريخية والعلمية، إضافة إلى الآراء العلمية لعدد من المستشرقين الذين يمكن وصفهم بـ»الموضوعيين»، أو «العلميين»، أو «المنصفين»، واعتماد وتفعيل نظرية «الفهم» الخاصة بعلم تاريخ الأديان التي يتجاهل المستشرقون استخدامها، في حين يطبقونها في دراسة أديان الشرق الأقصى (البوذية، الكونفوشيوسية، البراهمية الخ)، والتي تقضي بضرورة فهم الدين (الإسلام) داخلياً أي كما يفهمه أصحابه، وليس فهماً استشراقياً منفصلاً عن الواقع ومتأثراً بإيديولوجيات متحيزة غير موضوعية.

اقرأ أيضاً  الهوى المصري كما عاشه الكتاب المغاربة

أما في ما يتعلق بالفرضيات اللغوية حول رد عدد من الألفاظ القرآنية إلى ألفاظ تنتمي للديانة اليهودية (العبرية، الآرامية- اليهودية)، فإن الباحث اعتمد على تأصيل اللفظة القرآنية مباشرة وتأصيل وجودها أو شبيه لها في لغات أخرى لاسيما اللغات السامية، لمعرفة إذا كانت عربية أصيلة، أم سامية مشتركة، أم أعجمية دخيلة. وتوصل الكاتب إلى النتائج التالية: اتسمت المقالات في الموسوعات اليهودية عن القرآن الكريم، بـ «الازدواجية اللغوية»؛ إذ لم تُكتب بـ»العبرية» فقط وهي اللغة التي ارتبطت باليهود واليهودية، كما أنها اللغة الرسمية والأولى في إسرائيل، بل كُتبت بالإنكليزية أيضاً. وهي سمة لا تخص المقالات الموسوعية اليهودية عن الإسلام والقرآن الكريم وحسب، بل إنها تسم معظم الكتابات الاستشراقية الإسرائيلية: اعتماد «التشابه اللفظي- السطحي» أساساً لفرضية التأثير والتأثر في ما يتعلق بالقصص القرآني، وجود اختلافات في الجوهر والمضمون والمقاصد بين المادة القرآنية والمصادر الدينية اليهودية المردودة لها تمنع إمكانية الاقتباس أو التأثر القرآني من مصادر دينية يهودية، اللجوء إلى مصادر دينية يهودية «متأخرة» (الأجادا) لرد المادة القرآنية إليها، وهو ما يعبر عن «عجز» إيجاد شبيه لها في مصادر العهد القديم. وهو ما عكس من جانب آخر «خطأً منهجياً»؛ إذ يُظهر تناقضاً مع المنهجية الاستشراقية التي ردت القرآن إلى العهدين القديم والجديد، على أساس رد اللاحق إلى السابق وفق نظرية التأثر والتأثير. في حين أنها ترُد القرآن الكريم الذي هو سابق للأجادا التي هي لاحقة عليه في التاريخ والتدوين، وهناك عدد من الأدلة الموضوعية المتعلقة بالتحليل الفيلولوجي للأجادا يثبت أنها هي التي تأثرت بالقرآن الكريم، لا سيما على مستوى القصص وليس العكس، ووجود قرائن علمية ولغوية تدحض إمكانية وجود كلمات ذات أصول يهودية في القرآن الكريم، واستحواذ قصص القرآن الكريم على الجزء الأكبر من فرضيات الموسوعات اليهودية حول رد المادة القرآنية لمصادر غير أصلية، واستحواذ رد القرآن الكريم إلى مصادر يهودية عن رده إلى مصادر نصرانية ووثنية، وهو ما يعكس واحدة من أزمات الكتابات الاستشراقية عموماً؛ إذ يلاحظ أن المستشرقين اليهود يردون القرآن الكريم إلى مصادر يهودية، في حين يرده المستشرقون النصارى إلى مصادر نصرانية، ما يعني سيطرة إيديولوجية ذات خلفية دينية على كتاباتهم.

اقرأ أيضاً  «حاضر اللغة العربية» في كتاب

محمد عويس – الحياة