/مسرحية «سيف المتنبي» تُعيد قراءة الهزائم العربية

مسرحية «سيف المتنبي» تُعيد قراءة الهزائم العربية



تتمحور القضية الرئيسة في النص المسرحي «سيف المتنبي» للكاتب السيد الخميسي (الهيئة العامة لقصور الثقافة) في السطور الأخيرة التي تنفي مقتل المتنبي، وتؤكد أن الأحوال لم تشهد تغيراً ذا بال في غزة ويافا وسورية وبغداد ومصر. يستدعي الخميسي سيرة المتنبي ليضرب بها على وتر الأوجاع العربية التي خلفتها الحروب الخاسرة والحكومات الفاسدة والأنظمة المستبدة، وهو في هذا نجح في استدعاء الأزمنة ليتقاطع الماضي مع الحاضر في طريقهما نحو المستقبل.
وعلى رغم أن الكاتب هو شاعر في الأساس وروائي وربما يكون هذا أول نص مسرحي له، إلا أنه نجح في تناوله مع وعيه التام بأن معالجة القصيدة تختلف اختلافاً بيّناً عن معالجة المسرحية؛ هذا الوعي جعله لا يندفع وراء موسيقى الشعر وإيقاعاته ومحسناته المطلقة التي قد تنسينا أحياناً لغة الدراما والقبض على عناصر التكثيف والتصاعد.

يرسم السيد الخميسي في هذا النص صورة للقضية الأزلية التي يعانيها الفرد عبر عصور مختلفة وفي المجتمعات كافة، وهي قضية الجوع والفاقة، فنجد أنه حتى في زمن المتنبي كان ثمة من يئن من الفقر والجوع: اخرس يا ملعون/ أنا لا أتباهى/ بل أتباكى/ أكدح طول اليوم/ وأعجز عن أن أكسب قوت عيالي، وامرأتي عجفاء/ أتلفها الجوع» .

إنه حالٌ يفضي في النهاية إلى الموت والاضمحلال، وهو تأكيد للقهر الذي تمارسه السلطة القمعية في الأنظمة العربية ضد مواطن لا حول له ولا قوة، فنجده يقول: «حرّاس خليفتنا من شذاذ الآفاق والأوباش».

يتطرق الكاتب أيضاً إلى صورة الحاكم التي دائماً ما تكون مهزوزة لأنه لا يتفرغ لمصالح شعبه، بل لنزواته وملذاته، فهو يستبدل فتح الأمصار بفتح الأبكار. ومن ثم أصبحت البلدان إما فارقة في الثراء وإما غارقة في الفقر، ولا وسط بين الاثنين، وبخاصة في «مصر المحروسة». فالغني يزداد ثراء والفقير يزداد فقراً، ومن ثم اختفت نظرة التأمل للأشياء واختفى الفكر المبدع، لأنّ الناس انشغلت بلقمة العيش فقط، فنراه يقول: «غرقت بغداد في الثروة والفقر» (ص54).

اقرأ أيضاً  ومضـات قلب – محمد العلقامي

ثم نجد المتنبي وهو يحسد كافور الإخشيدي على حكمه لمصر، وهو مجرد عبد مخصي لا أكثر، بينما المتنبي هو الشاعر الفحل الذي شغل الناس بشعره وفلسفته وموهبته الجارفة، وهو بهذا يعرّي الكذب على الشعوب المغلوبة على أمرها.

الأمر الغريب في هذا النص أنّه خالف الواقع على رغم أنّه ينطلق من مرتكزات واقعية. فالمتنبي لم يُقتل كما تقول القصة الحقيقية، بل شاء الله له النجاة علي يد حابي وابنته ميريت، ولا أعرف لماذا استدعى هنا الأسطورة الفرعونية؟ ولماذا جاء بحابي وابنته بالذات ليتزوجها المتنبي بدلاً من خولة؟ وقد يكون هذا ما شتت المتلقي، فخرج به عن الإطار الواقعي الذي كان قد وطد نفسه عليه منذ بدء المسرحية.

وعلى رغم أنّ الخميسي شاعر في الأصل، إلا أنه وقع في بعض الهنات الإيقاعية أو اللغوية، فقال مثلاً: «السوق مليء»، والأصل «السوق مليئة»، وأرى أنه تعمدها خطأ إملائياً فوقع في خطأ عروضي.

ويقول أيضاً «مولاكم عنين»، وهنا يوجد كسر وكان من الممكن أن يقول: «مولاكم عاجز»، أو «مولاكم يشكو العنّة». نذكر أيضاً أنه قال عبارة تحمل شطراً من قول المتنبي والتي صارت مثلاً في ما بعد: «تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن»، وأيضاً يوجد كسر، ومن الجائز أن يحرف المثل ليستقيم الوزن ليقول مثلاً «تأتي الريح بما لا ترضى السفن».

وقع الكاتب كذلك في خطأ عروضي عندما قال: «وذراعك مسنودة بذراعي»، والأصح قولاً «وذراعك أسندها بذراعي».

نراه أيضاً يقول «اذهب – اغرب»، وأرى أنه يكتفي بـ «اغرب»، ولا حاجة إلى «اذهب» فهو المعني نفسه.

وعلى رغم هذا، فإن ذلك لم يقلل كثيراً من جودة النص وسرعة إيقاعه وتوتره واقتداره في تحريك شخوصه من خلال تمردهم وعصيانهم وكشفهم لمواطن الذلل والزيف الرابض فوق القلوب.

اقرأ أيضاً  داعش.. عودة الجهاديين

 

شعبان ناجي  – الحياة

الوسوم: