/أميركا والثورة المصرية

أميركا والثورة المصرية



مثلت ثورة 25 يناير وما شهدته مصر منذ تنحي الرئيس مبارك وصولا لإزاحة الجيش للرئيس مرسي وما تلاه من تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية؛ صدمة حقيقية لأركان الحكم ودوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية.

ففجائية الأحداث وعدم القدرة على توقعها، والارتباك الكبير بسبب سرعتها ووجهة مسارها، زاد من دراماتيكية الدور الأميركي.

ويرى الكاتب أن واشنطن تدرك جيدا ماذا تريد من مصر سواء حكمها حسني مبارك أو محمد مرسي أو عبد الفتاح السيسي، وعلى العكس من ذلك لم تعرف مصر ماذا تريد من أميركا خلال العقود الثلاثة الماضية، ويبدو أنها ما زالت لا تعرف حتى اليوم ماذا تريد من واشنطن.

علاقات خاصة
وينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء متكاملة، يتعرض الجزء الأول لمحاولة الدولتين إقامة علاقات يمكن أن نطلق عليها علاقات خاصة، خلال سنوات حكم الرئيس مبارك.

ويشير الكاتب إلى أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن ارتكزت خلال العقود التي حكم فيها مبارك، على معادلة “المساعدات مقابل التعاون”، فحصلت مصر على مساعدات عسكرية واقتصادية أميركية منذ اتفاق السلام مع إسرائيل عام 1979، زادت قيمتها على 75 مليار دولار، في مقابل مزايا عسكرية ولوجيستيكة مثل استخدام الأجواء المصرية أو تسهيلات عبور قناة السويس للسفن والبوارج الحربية الأميركية.

هذا إضافة للتعاون المخابراتي بين الدولتين، والذي أتاح لواشنطن نقل أشخاص معتقلين بتهمة الإرهاب إلى عدة دول -ومنها مصر- من أجل استجوابهم، إضافة للتعاون الاستخباراتي داخل شبه جزيرة سيناء، والتعاون على مستوى الأمن الإقليمي.

ونتيجة لهذا النمط الفريد للعلاقات الثنائية بين الدولتين، تجاهلت إدارات البيت الأبيض لعقود طويلة مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية مقابل تمسكها بأهمية مبدأ “الاستقرار” كأحد أهم أهدافها في مصر.

ويرى الكتاب أن الرئيس لعب في كلتا الدولتين دورا كبيرا في العلاقات بين البلدين، إلا أنه في الحالة الأميركية ارتبط الرئيس دائما بالمصالح الأميركية شبه الراسخة في مصر والشرق الأوسط، وذلك على النقيض من شخصنة الموضوع من جانب الرئيس المصري، فعلى سبيل المثال، خرج تحالف القاهرة مع واشنطن من رحم موقف الرئيس السادات المؤمن بعملية سلام الشرق الأوسط.

وكان لإسرائيل دورها في تلك العلاقات بين مصر وأميركا، حيث نجحت في جعلها علاقة ثلاثية تتحكم في حدودها، وأصبحت علاقات القاهرة مع إسرائيل في جانب كبير منها “ترمومترا” لعلاقاتها مع أميركا.

اقرأ أيضاً  الـ «دليفري» والأسرة المصرية... يد واحدة

ارتباك أميركي

يتعرض الجزء الثاني من الكتاب لتداعيات الثورة المصرية على الإدارة الأميركية من خلال عرض تفصيلي ليوميات الثورة داخل دوائر صنع القرار الأميركي.

ويرى الكاتب أن الموقف الرسمي الأميركي خلال أيام الثورة، كان مجرد رد فعل على مجريات وتطورات الأحداث داخل مصر، فلم تصدر الإدارة الأميركية أي بيان تؤيد فيه بشكل كامل مطالب الشعب المصري بإنهاء حكم نظام مبارك، ورحبت بتعيين اللواء عمر سليمان نائبا له، مما كان يعني عدم وجود تغير في علاقاتها بالحليف الإستراتيجي المصري، ولم يتخل أوباما عن تحالفه مع النظام المصري إلا حينما تيقن من رحيل مبارك.

وينتقل الكتاب للتعرف على علاقات واشنطن المختلفة والمتشعبة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومعضلة المساعدات الأميركية لمصر، وأسباب استمرارها رغم الأزمات المتكررة في العلاقات الثنائية، وجدوى تلقي هذه المساعدات وطبيعة الثمن السياسي الذي تدفعه مصر.

وبدأت شكوك واشنطن تجاه المجلس العسكري بعد مجموعة من الحوادث، منها تساهل الجيش مع السلفيين والإفراج عن بعض رموز الحركات الإسلامية الراديكالية كعبود الزمر ومحمد الظواهري، واستخدام الجيش لفزاعة الإسلاميين، مما يؤشر على تردد العسكري في المضي قدما في الإصلاحات الديمقراطية.

وزاد هذا التوتر بين المجلس العسكري والإدارة الأميركية إثر حادثي اقتحام السفارة الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2011، وحادثة ماسبيرو، ثم جاء اقتحام قوات الأمن المصرية لعدد من مكاتب منظمات أميركية في مصر يوم 29 ديسمبر/كانون الأول ليحدث فاصلا جديدا ملتهبا من العلاقات الرسمية بين واشنطن والقاهرة.

معضلة الإخوان

الجزء الثالث يعرض لمعضلة إدارة أوباما في التعامل مع أول نظام حكم إسلامي منتخب في تاريخ العالم العربي، مستعرضا تاريخ علاقات واشنطن بجماعة الإخوان المسلمين، وتداعيات ذلك على ملفات التعاون الثنائي والأمن الإقليمي ودور اللوبي اليهودي في كل هذه القضايا.

بالإضافة للتطرق لموضوع قرض صندوق النقد الدولي ورؤية الشعب الأميركي لحكم الإخوان في مصر.

ويذكر الكاتب أن أيام الثورة الثمانية عشر شهدت بداية فك الحظر الأميركي على الإخوان المسلمين، ومع تزايد ظهور دلائل على أن جماعة الإخوان المسلمين ستلعب دورا سياسا مهما في الحياة السياسية المصرية الجديدة، ظهرت مؤشرات متكررة على ارتباك دوائر صنع القرار الأميركية في التعامل مع ما تراه معضلة الإخوان، وهو ارتباك شهدت الجماعة مثيله فيما يتعلق برؤيتها لمستقبل علاقاتها كجماعة وحزب سياسي.

اقرأ أيضاً  بين الخلافة والاستخلاف... حنين تاريخي ورمزية مفوتة

وبعد إعلان نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت نهايات عام 2011، واكتسحتها الأحزاب الإسلامية، رأت الإدارة الأميركية أن اتصالها وتواصلها مع جماعة الإخوان يخدم المصلحة والسياسات الأميركية.

وظلت العديد من القضايا محل مخاوف من قبل الإدارة الأميركية، منها العلاقة مع إسرائيل واتفاقية السلام، والموقف من انفصال السودان، ومستقبل العلاقات المصرية الإيرانية والتعاون الأمني بين واشنطن والقاهرة.

ويؤكد الكاتب أنه وبعد فوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية بمصر، لم تتعامل واشنطن مع أفعال الرئيس كسلة واحدة. ففي حين أثنت واشنطن على مجهودات مرسي في الوصول لاتفاق غزة، أعربت عن صدمتها من رد فعله المتأخر على الهجوم على السفارة الأميركية إبان احتجاجات خرجت غاضبة على الفيلم المسيء للرسول.

وسبّب الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 استياء أميركيا، بينما لم تتحسن العلاقات بين النظام الإسلامي الحاكم في مصر وبين الكونغرس، فلا تمرُّ حادثة أو تطور دون أن يدخل الكونغرس على الخط وينتقد حكام مصر، وتعددت الدعوات بإعادة هيكلة المساعدات العسكرية.

كما أثارت زيارات مرسي الخارجية الكثير من قلق دوائر صنع القرار في واشنطن، إذ أخذته تلك الرحلات بعيدا عن مناطق النفوذ الأميركي، حيث زار الرئيس خلال شهور حكمه الأولى عدة عواصم مزعجة للولايات المتحدة، منها الصين وروسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل إضافة لإيران.

تردد غير مرغوب

الجزء الرابع والأخير يعرض ما شهدته مصر منذ الثلاثين من يونيو/حزيران من وجهة نظر واشنطن، ورد الفعل الأميركي المرتبك على تسارع تطورات الأحداث داخل مصر، وهو ما يؤكد فشل الدوائر الأميركية مرة أخرى في توقع الأحداث.

وعقب ساعات من خطوة الجيش بعزل مرسي وتعطيل الدستور وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا، انتقدت إدارة الرئيس أوباما إطاحة الجيش بمرسي وعبرت عن قلقها، إلا أنها تجنبت وصف ما حدث بالانقلاب، لأن اعترافها بذلك يعني -حسب القوانين الأميركية- وقف المساعدات العسكرية الأميركية لمصر.

دفع هذا الموقف المتردد الكثيرين -وعلى رأسهم الإعلام الأميركي- داخل الولايات المتحدة لانتقاد موقف الرئيس واتهام إدارته بالتخلي عن دورها القيادي التقليدي، وطالبوا الإدارة الأميركية بوقف معوناتها ودعمها للنظام الجديد والعودة إلي سياسة أساسها المبادئ والقيم الأميركية.

اقرأ أيضاً  الهوى المصري كما عاشه الكتاب المغاربة

وعلى الرغم من أن الرئيس أوباما رفض قطع المساعدات العسكرية بصورة كلية، فإنه قرر وقف تسليم أربع مقاتلات من طراز أف 16، عقب أحداث الحرس الجمهوري وطريق النصر، تلاه إلغاء مناورات النجم الساطع بعد فض الاعتصامين برابعة والنهضة، حتى قرار وقف المساعدات العسكرية في أكتوبر/تشرين الأول 2013.

وبالتالي ظهر أن إدارة أوباما أحجمت رسميا عن تسمية ما حدث بمصر انقلابا عسكريا، إلا أنها تتصرف وكأنه انقلاب من خلال إجراءات عقابية متزايدة.

قصور فهم مصري

ومنذ تدخل الجيش قامت مختلف القوى السياسية المصرية المؤيدة والمعارضة لما حدث بمحاولات تجميل وجهها والدفاع عن موقفها في العاصمة الأميركية، سواء أكان الجيش أو حزب الحرية والعدالة والإخوان، وأخذت عمليات التجمل صورا عديدة منها الزيارات أو اللقاءات وكتابة المقالات بوسائل الإعلام الأميركية أومن خلال شركات اللوبي الأميركية التي استعان بها مسبقا نظام مبارك.

ويؤكد الكاتب أن عمليات التجميل تعكس غيابا لأي فهم موضوعي لطبيعة وديناميكيات التفاعل وتوازنات القوة بين مراكز صنع القرار في العاصمة الأميركية، مشيرا إلى أن واشنطن لا تشخصن سياساتها أو أهدافها، وهي لم ولن تتدخل في اختيار حكام مصر، ولم تساعد أو تشارك في ترجيح كفة اسم مرشح أو فريق على آخر.

ويضيف أن ثورة 25 يناير نجحت في فرض معادلة جديدة أصبحت فيها جموع الشعب المصري أهم لاعب في الحياة السياسية المصري، وهو ما يدركه العالم وواشنطن، إلا أنه من الواضح أن القوى السياسية المصرية ما زالت غير مقتنعة بهذا التغيير المجتمعي الهام.

ويرى الكاتب ختاما أنه لا يبدو أن هناك أي تغيير من جانب القاهرة لنمط العلاقات، وهو ما يسبب ارتياحا بين أوساط الإدارة الأميركية.

 

عرض/شرين يونس

المصدر : الجزيرة