/«أنثى» مريم النويمي فريسة ذكور المجتمع

«أنثى» مريم النويمي فريسة ذكور المجتمع



العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع ذكوري محافظ تفتقر إلى التكافؤ بينهما، وتعاني الاختلال في ميزان القوى لمصلحة الرجل، فهو يمتلك القدرة على الهجر، والطلاق، والإغواء، والتحرّش، والخيانة، والإيقاع بالمرأة، والتخلّي عنها، والتهرّب من المسؤولية. وهي الضحية تقع عليها الأفعال المذكورة، وتدفع الثمن الغالي الذي قد يكون حياتها. هذه العلاقة غير المتكافئة في فضاء اجتماعي مغلق هي المحور الذي تنتظم حوله حكايات «أنوثة شاغرة» للروائية السعودية مريم النويمي (الدار العربية للعلوم ناشرون). وحين تكون الأنوثة شاغرة بالهجر أو الطلاق أو جهل النَّسَب، لا بد لشيطان من أن يملأها…

في «أنوثة شاغرة» ترصد النويمي الأساليب التي يتبعها الرجل للإيقاع بالمرأة حتى إذا ما حقق مآربه منها يتركها لمصيرها. ولعل الشغور في أنوثتها، لسبب أو لآخر، يجعلها أكثر قابلية للسقوط في أول حفرة تُحفَر لها. والرجل الذي يضطلع بهذا الدور في الرواية هو تقني مختبر ينتحل لقب دكتور، يعرف كيف يختار فريسته، يحاصرها باتصالاته أو هداياه أو عروضه، حتى إذا ما وقعت في شباكه، ينال منها مأرباً، ويتخلّى عنها. والمرأة التي هي ضحيّته قد تكون مهجورة أو مطلّقة أو لقيطة ما يضيف ضعفاً إضافياً إلى ضعفها الأصلي امرأةً في مجتمع ذكوري.

ترصد النويمي هذه الأساليب خلال ثلاث حكايات، إحداها أصلية تُسند فيها الروي إلى راوٍ عليم، والأخريان فرعيّتان يقوم بالروي فيهما راويان مشاركان. ويجتمع الراويان، العليم والمشارك، في كل من الحكايتين الفرعيتين. وبذلك، يتعدد الرواة والحكايات وأساليب الإيقاع بالمرأة من جانب الرجل. وإذا كانت راويتا الحكايتين الفرعيتين وبطلتاهما، بهية وحنان، تسقطان في براثن وليد عمران، تقني المختبر، وتروي كل منهما حكايتها، فتنتهي بهية جثّة هامدة، مقتولة أو منتحرة، وتنتهي حنان على أبواب جمعية نسائية طالبة إيواء مقابل أي عمل، فإن ندى، بطلة الحكاية الأصلية، تنجو بتدخّل قَدَري، يتمثّل في عودة زوجها خالد في الوقت المناسب قبل أن تذهب إلى موعدها مع وليد عمران، ويتمثّل في اكتشافها أن هذا الأخير هو جلّاد الضحيتين، بهية وحنان. وهكذا، يضع القدر في طريقها إشارات تحول دون انحرافها عن جادة الصواب، وسقوطها في براثن الإغواء.

اقرأ أيضاً  ذاكرة الأشياء – فصول من سيرة ذاتية

في الحكاية الأصلية، تقود الظروف ندى إلى مختبر وليد عمران، فتشكّل الزيارة بداية علاقة بينهما يروح فيها يطاردها بالاتصالات الهاتفية، وينسج شباكه حولها مستغلًّا كونها امرأة جميلة مهجورة، فتحس بالانجذاب نحوه، وتترجّح بين الوفاء لزوج هجرها منذ ثمانية أشهر وترك أنوثتها شاغرة، والاستجابة لإغواء وليد عمران الذي يحوم حولها مستخدماً تقنيات الإقناع والترغيب والإغراء واللوم والتوبيخ والغضب، حتى إذا ما وقعت في الحب، وكادت تلبي دعوته للخروج معاً في موعد محدد، بعد اتصالات هاتفية وزيارات إلى مكتبه، يتدخّل القدر، فيعود زوجها من هجرته، ويتغير مجرى الأحداث.

تشكّل عودة الزوج نقطة تحوّل في مسار الحوادث، يختل توازن ندى، تتوزّع بين الاستمرار في حياتها الزوجية والوقوع في حبائل وليد. لذلك، تطلب من الزوج فترة سماح تهجره فيها بعض الوقت لاتخاذ القرار المناسب. وخلال هذه المدة تكتشف بالصدفة أن وليد عمران زير نساء وقوّاد أوقع بامرأتين هما: بهية وحنان، فتتراجع قبل فوات الأوان، وتقرّر العودة إلى زوجها واستئناف حياتها الزوجية.

تتفرّع من هذه الحكاية الأصلية حكايتان فرعيتان، الأولى حكاية بهية، المرأة الجميلة، ضحية الزواج الأصلي والعرفي التي تخطف زميلتها جميلة زوجها منها، بعد سنة زواج جميلة، فتعاني حياة المطلّقة وما تتعرّض له من مضايقات وتحرّشات، ثم يظهر في حياتها وليد عمران، فيروح يطاردها بباقات الورد والاتصالات، ويقنعها بالزواج العرفي. وحين تحمل منه يتخلّى عنها، ويتركها لمصيرها ليُعثَر عليها جثّة هامدة.

الحكاية الفرعية الثانية هي حكاية حنان، اللقيطة التي تنشأ في دار للأيتام، ثم تتبنّاها عائلة تؤذيها، الزوجة تغرز أظافرها القذرة في لحمها، والزوج يغرز أظافره في كتفيها ويتحرّش بها جنسيّاً، فتتم إعادتها إلى الدار لتكمل دراستها المتوسطة وتنضم إلى معهد تمريض، تتخرّج فيه بنجاح لتعمل في مستشفى وتنجح في عملها. في هذه الأثناء، يتقدّم وليد عمران لخطبتها فترفضه مدفوعةً بموقفها السلبي من الرجال، لا سيما أن أحدهم قذف بها إلى الحياة وتخلّى عنها، غير أن تدخّل مديرة الدار يجعلها توافق، حتى إذا ما اكتشفت أن الزوج هو مجرّد قوّاد يريد المتاجرة بجسدها، تلوذ بالفرار إلى الجمعية النسائية طالبة المساعدة.

اقرأ أيضاً  "إن عانقتك فلا تخف" كتاب يسبر غور عالَم التوحّد

هكذا، نكون أمام ثلاث ضحايا هن: ندى، وبهية، وحنان، وجلاد واحد هو الرجل/ وليد عمران الذي يستغل ضعف النساء الأصلي في مجتمع محافظ، والضعف الإضافي الكامن في الهجر، والطلاق، والجهل بالجذور ليمارس شذوذه النفسي. وفي حالتي الضحية والجلاد، تقدّم الرواية صورة سلبية لكلٍّ من المرأة والرجل، فالأولى مهجورة (ندى)، أو مطلّقة (بهية)، أو خاطفة (جميلة)، أو لقيطة (حنان)، أو متسوّلة بجسدها (المرأة المهاجرة). والثاني مهاجر منقطع عن زوجته (خالد)، أو مطلّق مخطوف مع أخرى (زوج بهية)، أو متزمّت يُضيّق على أخته المطلّقة (أخو بهية)، أو قوّاد وزير نساء (وليد عمران)… مع وجود تفاوت في درجة السلبية بين رجل وآخر. مع العلم أن ثمة نساء ذوات حضور إيجابي في الرواية، وإن كانت أدوارهن الروائية هامشية…

على أن العلاقة الشكلية بين الحكايات ليست على السويّة نفسها، فإذا كان مجيء حنان إلى جمعية نسائية طلباً للمساعدة يدفعها إلى حكاية قصّتها لتبرّر سبب مجيئها، وبالتالي، يكون تفرّع حكايتها من الأصلية في مكانه الطبيعي، فإن تفرّع حكاية بهية لا يخلو من الافتعال، والرابط بين الأصل والفرع يبدو هشّاً، إذ من غير المعقول أن تخبر قصّتها وتنتهك خصوصياتها لندى لمجرّد أن عرضت عليها المساعدة، والمفارق أنها تفعل ذلك «للفضفضة»، كما تقول، لا لطلب للمساعدة.

من جهة ثانية، ثمة وقائع غير مسوّغة واقعيّاً وروائيّاً كواقعة تكليف حنان، التلميذة في الصف الثاني الابتدائي، ترتيب ملفّات نزيلات الدار وعثورها في ملّفها على حقيقة أنها لقيطة. فمن أين لتلميذة في الابتدائي الثاني أن تفعل ذلك؟

تعدّد الكاتبة الرواة، وتجمع بين الراوي العليم والراوي المشارك أحياناً. وهي تزاوج بين السرد والحوار في توزيع مدروس يُضفي على النص الحيوية والتنوع، غير أن بعض الجمل الحوارية يسقط في الإنشاء، لا سيما في بعض المواقف «الرومنطيقية» ما يثقل كاهل الحوار. وهي تستخدم لغة سردية سلسة، طلية، تغلب عليها الجمل القصيرة والمتوسّطة، وتقل أدوات الربط، وتغرق في التفاصيل والحركات ما يجعل الإيقاع بطيئاً والوقائع المنتجة قليلة في بعض المساحات السردية. ومع هذا، تبقى «أنوثة شاغرة» رواية سلسة، بسيطة البنية السردية، جميلة، تَدخُلُ إليها ولا تخرج منها خاوي الوفاض.

اقرأ أيضاً  تقنيات التعبير في القصة القصيرة اليمنية الحديثة

 

دار الحياة