/جمالية التباعد – قراءة في لوحات الفنانة التشكيلية نوال الغانم

جمالية التباعد – قراءة في لوحات الفنانة التشكيلية نوال الغانم



يكفي أن نلقي نظرة على لوحات الفنانة العراقية نوال الغانم لتعود بنا إلى الجذور الأولى للأمة العربية، فالتقاليد التي وضعت أصول الفن الآشوري والبابلي والكلداني، والتي امتدت إلى الفن الآرامي والفينيقي هي نفسها التقاليد التي ورثها الفنان العربي بعد الإسلام، فلقد تمازجت هذه  المنابت الأولى في ما بدا اليوم، ولعل الفنانة نوال الغانم على وعي تام وهي تنجز لوحاتها بما قرأته واطلعت عليه من فنون وهندسة عربية قديمة، مترجمة ذلك في تنويعات لونية، وأشكال متباينة تحيلك مباشرة على قيم حياتية ولكن بصيغة تجريدية وسوريالية في آن.
-لا تحمل لوحات الغانم طابعا موحدا، وإنما تتأسس على الاختلاف والابتعاد، ولعل القرابة المتحققة كامنة في ألوان مهيمنة يمثلها الأحمر في مختلف تدرجاته، وهو بذلك يحقق وحدة فنية على حد تعبير غوستاف لوبون. وأيضا في لون خافت يمثله الأبيض، وبين اللونين تتحقق إرادتان، الأولى تكمن في تبديل ملامح الواقع؛ أي تحويره وتجريده، وتعديل نسبه وأبعاده وفق إرادة فنية لا تحاكيه ولا تنقله مباشرة، وإنما تؤشر عليه وعلى مكنوناته من زوايا الضربات اللونية القوية والمتقاربة. أما الإرادة الثانية فهي نابعة من تغفيل شكل الواقع والابتعاد قدر الإمكان عن تفسيره والتأشير إليه من جانب الأشكال الموحية والفجوات التي تطال المساحات اللونية.

وثمة ملمح آخر يميز لوحات الفنانة نوال الغانم، هو لحظات الصمت التي تطال اللوحات، والتي تستفز الرائي؛ إذ نلحظ تقسيما لمساحة اللوحة لا يتسم بالتساوي، وإنما بدت حركيتها غير متوازية لأنها منفتحة على مساحات لونية متضامة، غير أنها متباعدة من حيث الأحجام، ولعل الغاية هي تغييب نشوة الاتصال وخلق جمالية التباعد.

تمكنت الفنانة نوال الغانم من تنويع  تقنيات رسومها مما فسح لنا زوايا لرؤية أشكال تتلخص من ترجمة الحياة إلى التدليل عليها والابتعاد عن التزام رؤيوي لموضوع معين، وهذا الغياب ينم عن تنصل من الوسط الاجتماعي الذي أصبح أبلغ من الفن أحيانا. وكل ما يفسر هذا التوجه رغبة الفنان التجريدي المعاصر تجاوز الواقع، أو تمثل واقع لم يحدث ولم يقع بعد.، وإنها لفكرة جديرة بأن تمكن الفنان من تجريب رؤاه وتمكين خياله من عدم الالتزام بما هو كائن.

اقرأ أيضاً  مجلة «بانيبال» تحتفي بأدب السجن العربي

يمكن القول، بأن الفنانة نوال الغانم بأسلوبها التجريدي المعاصر لا تأمل إلى تفسير موضوعة وجودية، أو الإحالة على دلالة قوية لموقف ما. وإنما تسير نحو إرساء أهمية الحرية في العملية الفنية، وأيضا التنبيه إلى القوة الكامنة داخل الإنسان، و الإعلاء من شانه، وربما ليس ثمة وظيفة ذات أهمية بالنسبة للفنان أعلى من أن يدلل على حيوية الفعل الفني الخلاق.

عمر العسري – شاعر وناقد من المغرب