/الكتابة والفقدان قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي

الكتابة والفقدان قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي



إبراهيم أولحيان كاتبٌ مغربي شاب، عُرِف بدراساته النقدية العميقة المتأنِّية، وترجماته الأدبية الدقيقة. وقد نالت ترجمته لكتاب ” النقد الأدبي المعاصر”  للكاتبة الفرنسية آن موريل، الذي صدر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة،  ترحيب النقّاد والأدباء العرب، وكان من الكتب الأكثر مبيعاً في معرض الكتاب الأخير في القاهرة.

صدر لابراهيم أولحيان هذا العام كتابٌ عن دار الثقافة بالدار البيضاء عنوانه    ” الكتابة والفقدان: قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي”. وأهدى الكتاب لأصدقائه في العراق الأدباء: كاظم النصار، وسهيل نجم، ومحمد صادق، ولؤي حمزة عباس، وثائر علي.

يرمي هذا الكتاب إلى تعرية تجربةِ مبدعٍ اكتوى بنار الغربة والتمزق والضياع، فصاغ رؤاه بشكلٍ فنّيٍّ يستهدف متلقياً شغوفاً بمتعة الحكاية المسكونة بالمعاناة والمعرفة والفن. يكاد إبراهيم أولحيان يكون متخصّصاً في الإبداع القصصي للكاتب العراقي المقيم في المغرب، الدكتور علي القاسمي. فبالإضافة إلى الصداقة التي تربطهما وتيسر له معرفة شخصية الكاتب وهمومه ودوافعه، فهو مطلع على الإنتاج الفكري للقاسمي، سواء أكان إبداعاً أدبياً أم بحثاً علمياً في اللسانيات والمعجمية والمصطلحية والترجمة والتربية والتنمية وحقوق الإنسان.

يضمُّ هذا الكتاب مدخلاً عاماً  إلى العالم القصصي في أعمال علي القاسمي، وستة دراسات تتناول كلُّ واحدةٍ منها إحدى المجموعات القصصية، وتركِّز على جوهر العمل السردي فيها، وتسلط الأضواء على العناصر الأساسية والتقنيات الأسلوبية التي استخدمها الكاتب ليُبرِز موضوعة الفقدان، ويضخّم أثرها النفسي في  المتلقي.
في مدخل الكتاب، يرى الناقد أن فعل الكتابة لدى القاسمي ينقدح ويتوهّج في لحظاتٍ ثلاث هي: لحظة الحنين والتذكُّر، ولحظة الحبّ والخيبة، ولحظة المواجهة والانكسار. ويلخّص خصائص الكتابة القصصية عند القاسمي فيما يلي:

1)   التركيز على حكاية بسيطة، مشوِّقة، وخالية من التعقيد.
2)   استعمال لغة إبداعية واضحة أنيقة، تمتح من معين التراث الأدبي العربي، وتعتمد على التصوير والمجاز للحفر في التجربة الإنسانية.
3)   الاشتغال على فضاءات مفتوحة، تصلح أن تكون في أي مكان وزمان.
4)   اعتماد البناء الكلاسيكي في القصة، حيث هناك بداية وعقدة ونهاية.
5)   اعتماد الوصف والسرد، وتغييب الحوار (ولهذا دلالاته في القصّ).
6)   توظيف التجديد من داخل القصة، والابتعاد عن التجريب.
7)   ارتباط القصص بالمحكي الذاتي، لأنها تستلهم تجربة الكاتب في الحياة.
8)   إعطاء أهمية للقارئ وإشراكه في الأحداث واتخاذ القرارات، لجذبه والتأثير فيه، وجعله يتفاعل مع القصة.
9)   غياب أي توظيف للهجات الدارجة أو العاميّة في النصوص.

استراتيجية البحث عن الذات في ” رسالة إلى حبيبتي”:

يضمُّ الفصل الأول من الكتاب دراسة نقدية بعنوان ” سؤال الكينونة واستراتيجية البحث عن الذات”، حول مجموعة، ” رسالة إلى حبيبتي”. يرى الناقد فيها أن قصص هذه المجموعة تدخل في نطاق المحكي السيرذاتي الذي ينسج خيوطه الداخلية من استعادة الذات لماضيها، خصوصاً ذلك الماضي السعيد في زمن الطفولة؛ وأن نصوص المجموعة متسلسلة على مستوى حركية زمنها الداخلي، وأن قصة ” رسالة إلى حبيبتي ” التي تشكّل آخر نصٍّ في المجموعة، تشدّ خيوط الحكي في النصوص الأخرى، وتجعلها منسجمة فيما بينها، لذلك ارتبط هذا النصُّ بشكل مباشر بالعنوان، وبصورة الغلاف.  وما ” التخييل الذاتي” في نصوص هذه المجموعة إلا  صيغة إبداعية، تترك للمبدع مجالاً للتفكير والتأمُّل في حياته الخاصة، بفضل المسافة الزمنية الفاصلة بين وقوع الأحداث ولحظة الكتابة عنها، بحيث يخلق ماضياً جديداً ولا يعيد تكوين ماضيه الفعلي.

وأشار الناقد إلى أن القاسمي،  يركّز على حدث بسيط واحد في بناء القصة، وينمّيه شيئاً فشيئاً في اتجاه تصاعدي إلى أن ينتهي من تلقاء نفسه، دون تفريعه إلى أحداث صغرى تجاوره، وتتشابك معه. ويتمّ تسليط الضوء في أحداث هذه النصوص على أشياء صغيرة، لكن لها دلالة في عين الطفل الذي يسردها.

الاختراق والمفاجأة في ” صمت البحر” :

في دراسته حول مجموعة ” صمت البحر”، لاحظ إبراهيم أولحيان، بدايةً، أن القاسمي أعاد الاعتبار للحكاية التي ضاعت مع كثير من القصص التي تنتج في البلاد العربية وتعتمد التجريب. فالحكاية بتفاصيلها تشكّل مصدر متعة للقارئ، فهي المادة الخام التي يشتغل عليها المبدع لتحقيق الوقع المطلوب في نفس المتلقي. وفي هذه الدراسة التي تحمل عنوان ” الاختراق والمفاجأة”، ركَّز الناقد على استهلالات قصص المجموعة وخواتيمها. فلاحظ أن القاسمي يستثمر كثيراً من تقنيات الكتابة الحداثية لإغواء القارئ وجذبه وذلك بتوظيف اللغز، وتعمُّد ترك فراغات دلالية، وتحسيس القارئ بأن الحكاية بصدد الوقوع، وأنه طرف مشارك في صنع الحدث. ولما كان للاستهلال دور حاسم في جذب القارئ وإغوائه، لأن الاستهلال هو الجسر القائم بين الصمت والكلام، فإن القاسمي يستخدم ” الاستهلال المثير” أو ما يسميه الناقد بـ ” الاختراق” بدلاً من ” الاستهلال العادي”. وهكذا تعتمد قصصه الدخول مباشرة في الموضوع، أي أن القارئ يجد نفسه وسط الأحداث دون سابق إنذار، وهذا يفتح فضاء الحيرة والشك والقلق واسعاً أمام عينيه، فيظل يقرأ حتى النهاية بحثاً عن “الحقيقة”.. فاستهلالات القصص تتألَّف من النفي أو التساؤل أو عدم تحديد الذات المتلفّظة في البداية. مثل:

اقرأ أيضاً  حوار مع الشاعر سليمان العيسى

ـ ” لم يتزوَّج. لم يتزوَّج، على الرغم من أن عمره تعدّى سنَّ الزواج منذ أعوام طويلة…”
ـ “لا يدري كيف اكتسب تلك العادة الباهظة الكلفة…”
ـ “وَلمَ لا تريد العمل في كلية التربية؟”
ـ “أفقتُ (أو ربما استعدتُ وعيي) على وقع أصواتٍ مبهمة…”

أمّا خواتيم القصص، فتوظِّف المفاجأة التي تأتي صاعقةً، غير متوقَّعة، مخالفةً لأفق انتظار القارئ، فتجبره على إعادة تفاصيل الحكاية لكي يلملم الشتات الذي خلفته زوبعة الخاتمة بفجائيتها تلك. ومما يساعد على ذلك، العلاقة المفتوحة بين الخاتمة والاستهلال، وهي علاقة دائرية تفتح شهوة إعادة القراء، للإجابة على أسئلة كانت مطروحة لدى القارئ منذ البداية، أو توضيح غموضٍ وجَّهَ القراءة في اتجاه معين، في حين يجب ترتيب الحكاية وتأويلها في ضوء الخاتمة.

إن بنية “الاختراق والمفاجأة”  لا تقتصر على الاستهلال والخاتمة، بل تسري في أجزاء النص كلّه، لأن ما يُطرح في البداية يتمُّ تطويره وتحليله في النص، للوصول به إلى نتيجةٍ معينة لها علاقة بكل تمفصلات الحكي من البداية إلى النهاية؛ فالمعنى يخترق النص كلّه، وتتكفّل البداية بتوجيهه في الوجهة التي يريدها الكاتب.

هوية السارد وهوية المحكي في ” دوائر الأحزان”:

يتناول الفصل الثالث في الكتاب قضية تغير طبيعة الحكي طبقاً لوضعية السارد، ويتخذ مجموعة ” دوائر الأحزان” مجالاً تطبيقياً له. يرى إبراهيم أولحيان أن لكل محكي موضوع يريد أن يقوله، وموضوع القصة هو الحكاية التي تصل إلى القارئ عبر السرد الذي يتكفل به السارد. ووجود السارد في الحكي مسألة لا بدَّ منها، سواء أكان السارد شخصية في القصة التي يرويها أم غريباً عن القصة.

وبعد تحليل قصص هذه المجموعة، يجد المؤلِّف أنها تتميز بالتنوع في طرائق الكتابة لاختلاف المواضيع التي تتناولها ما ينتج عنه تباين في نوعية المحكي. وإذا كان المتخيل الحكائي تحكمه تيمة الخيبة والفقدان التي تفرز نوعاً من التوتر والقلق والحزن، فإن القاص استطاع أن يقدّمها بطرائق مختلفة. ولهذا فإن السارد لا يأخذ وضعية واحدة، بل يتموضع حسب خصوصية الحكاية التي يريد إيصالها إلى المسرود له. فنجد أربعة أنواع من الساردين، وهي:

1)   سارد داخل الحكاية، يروي بضمير المخاطب، إذ يتوجه بالخطاب مباشرة إلى المسرود له. فيقول، مثلاً، في استهلال قصة فطور الصباح: ” تعال معي لنتناول فطور الصباح، فأنتَ ضيفي اليوم…”
2)   سارد داخل الحكاية يروي بضمير المتكلِّم. ولم يستخدم القاسمي هذا النوع من السارد إلا في قصص تحتوي على مؤشرات نصيّة وتيماتية تُبعِد القارئ عن الاعتقاد بأنه أمام محكي سيرذاتي. مثل بداية قصة ” دوائر الأحزان”: ” شاركتُ نوحاً في بناء السفينة، وعندما فاضت الأنهار، وتفتَّقت السماء بالأمطار، وحلَّ الطُّوفان في شهر محرَّم الحرام، ركبتُ السفينة معه، وظلّت حبيبتي واقفةً على ربوةٍ عالية، تنظر إليَّ وتلوّح بيديها.”
3)   سارد خارج الحكاية، يروي بضمير الغائب، فهو خارج فضاء القصة ولكنه عليم بسير الأحداث، ويلمّ بكل شيء عن الشخصيات ومشاعرها؛ ومعرفة القارئ مرتبطة بما يقدِّمه له السارد وبما يسمح به من بوح الشخصيات. ومن الأمثلة استهلال قصة ” تشريح الصورة”: ” لم يخطر ببال الدكتور سامي الهاشمي أن نظرة عابرة بدرت منه لصورة قديمة تستطيع أن تثير في أعماقه إعصاراً من العواطف والمشاعر والانفعالات…”
4)   سارد خارج الحكاية، يروي بضمير المتكلّم، وهنا يوجد سارد يحكي علاقته بشخصيّة تتكفّل بسرد حكايتها، كما في مستهل قصة “الوهم”: ” قال محدِّثي وهو يرشف من فنجان القهوة رشفات قصيرة متلاحقة، ويُنقِّل نظراته بيني وبين المنضدة التي أمامه بسرعة تلفت النظر، كأنّه يريد أن يُبعِد عينيْه عن شبحٍ ظلَّ يلاحقه…”
فضاء الموت أو الوجود على حافة الحياة في ” أوان الرحيل”:

يقارب الناقد مجموعة القاسمي القصصية ” أوان الرحيل” انطلاقاً من مكوِّن الفضاء، بوصفه أحد المكوِّنات الجوهرية للنصِّ القصصي. فمن خلاله تنكشف العلاقات، وعبره يتمّ تنظيم المسار الحكائي للنص. وحتى حين يغيب الفضاء، فإن السرد يتكفّل بإحضاره وجعله ماثلاً في كل لحظات النص، حيث يصبح الفضاء هو النص الحكائي ذاته.

وفضاء الموت هو المهيمن على جميع قصص هذه المجموعة، ويبرز في تفاصيل الحكي في كل واحدة منها. وقد جعل القاص مكوِّنات الحكي الأخرى في خدمته.

والسارد في قصص هذه المجموعة يعتمر الأقنعة المختلفة الأشكال، ويلبس النظارات المتباينة الألوان، ليرى الموت من منظوراته العديدة، ومستوياته الكثيرة، وأحواله اللامتناهية، فيصور لنا موت إنسان، وموت حيوان، وموت مدينة، وموت حضارة، إلخ.

والسارد شخصيةٌ من شخصيات القصة يشارك في الأحداث، يسمع ويرى ويتأمّل ويستنتج، وهذا ما سيؤدي به في قصة ” النهاية” إلى أن يعيش هو بنفسه تجربة الموت، حين أخذ في الترتيب لمشهد موته الشخصي:

” قررتُ مساء أمس أن أحدِّد تاريخ وفاتي بنفسي، وأشيِّع نفسي بنفسي، وأسوّي مراسم دفني بنفسي، وأدبّج كلمات رثائي الزائفة بنفسي، فقد استجدَّ عصرَ البارحة ما جعلني أعقد العزم على ذلك…”

اقرأ أيضاً  عبد الرضا عليّ رحلة متوهّجة في فضاء النقد والدرس الأكاديمي

لقد استخدم القاسمي، وهو المعجمي المتمرس، معجماً ثرياً بترسانة من المفردات السابحة في الحقل الدلالي للموت مثل: الروح، الجفاف، المجاعة، الحرب، القتال، الجرح، النزيف، الألم، المرض، المستشفى، الاحتضار، المنية، الجثة، الجنازة، التابوت، النعش، الشبح، الدفن، اللحد، الجدث، الرمس، القبر، الضريح، إلخ. إلخ.

لقد اشتغلت هذه المجموعة على موضوعة (الموت) في مفاهيمه المختلفة: المفهوم الديني، المتجلي في الحديث عن الآخرة ومراسم الدفن وتلاوة القرآن على الميت؛ والمفهوم الاجتماعي، الذي يبرز في علاقة الناس بالميت والتفافهم حوله وتعاطفهم معه؛ والمفهوم الرمزي، المتمثل في معنى الرحيل، الذي يمكن استخلاصه من العنوان،” أوان الرحيل”؛ والمفهوم الفلسفي، الذي تكشف عنه تلك الوقفات التأمُّلية للسارد، ليعلن بعدها أن ” الموت هو الحقيقة الجادّة الثابتة الوحيدة في هذا الوجود التي لا تقبل الهزل”، وأن ” الموت ليس بأهون من الولادة، فالنهاية ليست أدنى شأناً من البداية”.

وينتهي الناقد إلى أن القاسمي حينما يرصد الموت ويعيد تحيين الألم الذي يتركه منغرساً في هذه الحياة، إنما يكتب، في حقيقة الأمر، عن الحياة ذاتها باعتبار أن الموتَ جزء منها. فهو يروم تشريح بعض المظاهر والعادات والسلوكات التي تصاحب الموت، والاقتراب من واقع الإنسان العربي بالوقوف على ما يهدِّد مستقبله، ويغتال أحلامه، ويطفئ رغباته. فالحياة هي التي تهدّدنا وليس الموت، وكلمة (أوان) في العنوان هي التي تشير إلى هذا المعنى، فهو ليس برحيل وإنما إنذار به، لكي يؤدّي الإنسان العربي واجباته في الحياة ليستحق الموت بين الموتى.

بناء الشخصية والانفتاح على العوالم الغرائبية:

يتناول الفصل السادس من الكتاب مجموعة ” حياة سابقة” التي تشتغل، هي الأُخرى، على تيمة الفقدان، ولكن بطريقة مختلفة. فالفقدان يتجلّى ويتمظهر في هذه المجموعة بشكل آخر وضمن عوالم غرائبية، للكشف عن الخبيء من المشاعر والأحاسيس والرؤى. فالمجموعة منشغلة بالجانب النفسي الذي يتحكّم في سلوك الإنسان، ويوجّه حياته، ويسهم في نجاحه أو فشله، في بنائه أو تدميره. وهي منشغلة، كذلك، بقضايا علم النفس الموازي، بحثاً عن جوهر الكائن الإنساني وقدراته الباطنية الخفية غير المدرَكة، وبحثاً عن تفسير علمي لبعض الظواهر الخارقة. والمعرفة العلمية التي ينشدها القاسمي هنا، كما يقول، ” ليست تلك المعرفة التي نكتسبها عن طريق الحواس والتجارب المختبرية، ولا المعرفة التي نحصل عليها بالاستدلال المنطقي والتوصل إلى النتائج من مقدِّماتها، وإنما تلك المعرفة التي تتأتى لنا من الغوص في داخل ذواتنا، واستخدام القوى الخيرة الكامنة في نفوسنا، إنها المعرفة الحدسية أو القلبية…”

وشخصيات هذه المجموعة ليست جاهزة ولا متكاملة، وإنما يتولى القارئ بناءها عبر القراءة، ومن خلال طبيعة علاقاتها بالشخصيات الأخرى في المجموعة؛ كما يتولى تأويل سلوكاتها في ضوء موقفه الإيديولوجي وخبراته السابقة.

وإذا كانت بعض الاتجاهات الأدبية الحديثة قد قلَّلت من شأن الشخصية  في السرد، فإن الشخصية، في كتابات القاسمي، تتمتع بقوةٍ بوصفها الفاعل الأساسي، وجميع الأحداث تجري منها وعبرها وإليها؛ فالنص القصصي يضيء الشخصية، ويعتني بها، ويرسمها بعناية، ويركّز عليها. وهذا لا يعني أنه يقدمها منذ البداية جاهزة، وإنما يرسم لها الطريق ويتركها تتحرّك وتتفاعل وتتناسل لتتشكّل في النهاية.

وسواء أكانت القصص في هذه المجموعة ذات أبعاد نفسية أو ذات أبعاد اجتماعية وسياسية، فإن شخصياتها القصصية تتمظهر عبر محورين: محور الصراع ومحور الرغبة، على الرغم من أنه لا يمكن الفصل بين هذين المحورين، لأنهما معاً يشتغلان داخل الدائرة ذاتها، ولا يتم ذاك إلا بتلك. فهذه الشخصيات تعيش أزمات ذاتية، إنسانية أو اجتماعية، وتعاني رغبات مكبوتة، يتولّد عنها توتُّر تعيشه الشخصية مع ذاتها أو مع الآخر. ويتجلّى هذا التوتّر في شكل صراع إما خفي (داخلي) وإما جلي يظهر في العلاقات التي تربط الشخصية بالآخر وبالعالم: ” وفجأة تدفع لمياء الأستاذ عبد اللطيف بكلتا يديها حتى يكاد يسقط من السرير، وهي تصرخ: لا، ما هكذا… ما هكذا يتصرّف الأب مع ابنته.”

التخييل واشتغال القِيم في “عصفورة الأمير”:

يدور الفصل السابع من الكتاب حول قصة القاسمي ” عصفورة الأمير: قصة عاطفية من طي النسيان، للأذكياء من الفتيات والفتيان”. وهي قصة تروم تعليم الأطفال مفاهيم حقوق الإنسان ومتطلبات التنمية البشرية.

يبدأ الناقد في هذا الفصل، ببسط متطلبات الكتابة للأطفال، وأهمّها معرفة مظاهر النمو عند الطفل، الجسدية والنفسية والذهنية والوجدانية والاجتماعية والأخلاقية. وكذلك الاهتمام بثقافة الطفل وإدراك مكوناتها الأساسية ومؤثّراتها. وأخيراً معرفة آليات الخيال عند الطفل ومستوياته. فالكتابة للأطفال تتطلّب معرفة خاصة وجهداً إضافياً من المبدع من أجل أن يسهم في تنشئة الطفل تنشئة متوازنة، وينمي لديه خيالاً خلاقاً. ولهذا كله فقد ندرت الكتابات الجيدة للأطفال.

ويؤكِّد إبراهيم أولحيان أن “عصفورة الأمير” تنتمي إلى ذلك الجيد النادر، فقد توفَّرت فيها الشروط الفنية والنفسية اللازمة، واشتملت على المواصفات المطلوبة، وحددت في العنوان سنَّ المتلقين المستهدَفين، وتعاملت معهم بوصفهم جزءً من بنية النصّ الأدبي.

اقرأ أيضاً  القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية

وإذا كان السارد في هذه القصة يمهِّد للسرد بالعبارة المسكوكة القديمة، التي تغوي القارئ وتفتح شهيته للمتابعة: ” كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان…”، ويقدم الأرضية التي تنبني عليها الحكاية: ” سلطان جليل القدر والشان، عظيم الحكمة والعرفان، عاهل قطر من أقطار المسلمين، يُلقَّبُ بأمير المؤمنين…”، فإن القصة سرعان ما تطرح قضايا جوهرية معاصرة.  فعندما ينظر الأمير الفتى إلى هدية تلقاها مكوّنة من قفص فضي مزخرف وفي داخله عصفورة عجيبة الألوان أحبّها الأمير، يحسّ بأنه مسؤول عن تقييد حريتها، فيتساءل: ” هل يستطيع الإنسان أن يتمنّى الحرية لنفسه ويحرم غيره منها؟ أيمكن للمرء أن يقيّد حرية مَن يُحبّ؟”

وعندما يأخذ الأمير في التنكر والتجول في المناطق المحيطة بالعاصمة للإطلاع على أحوال الناس، يقع في حبّ راعية قروية، سرعان ما يكتشف أنها تحاول تعلُّم القراءة بنفسها لعدم وجود مدرسة في القرية، وأنها حين تمرض تلجأ إلى العرافين والعشابين لعدم وجود مستوصف في القرية، تواجه تساؤلات عديدة  حول مفاهيم الحب والجمال والعدل والحُكم الصالح.

ويخلص إبراهيم أولحيان إلى أن القصة تحفر في اتجاه تعميق مفهوم الإنسان، وعلاقته بالحياة في قضاياها الكبرى وفي تفاصيلها اليومية، وذلك بحثاً عن سعادة ممكنة، بعيداً عن الضجر والظلم والشقاء، لأن الإنسان أهمّ شيء في العالم: ” فما قيمة كلّ الموجودات بدون الإنسان، فالإنسان أغلى جوهرة في الوجود” كما جاء في نص القصة.
ولكي تتحقَّق السعادة للإنسان، فهو في حاجة إلى عدم التماهي مع أشياء العالم العرضية، وضرورة رؤية العالم من زاوية أخلاقية، قادرة على الحفاظ على إنسانيته. ومن هنا طرحت هذه المجموعة عدداً من القضايا المرتبطة بسلّم القيم، مثل : الحياة، السِّلم، الحرب، الأمة، الصحة، المرض، العلم، الطب، الجوار، كتمان السرّ، الصداقة، الهدية، إلخ. فـ ” عصفورة الأمير” عمل إبداعي يعلي من شأن الحياة في مظاهرها النبيلة، وهذا ينسجم مع الموضوعات التي اشتغل عليها القاسمي في مجاميعه القصصية، من داخل مجازاته التي تستعير الواقع، لتشيّد عوالمها الحكائية على المتعة والمعرفة.

ملاحق الكتاب:

يشتمل الكتاب في آخره على أربعة ملاحق: حوار مع القاسمي، وببليوغرافية الدراسات النقدية حول أعمال القاسمي القصصية، وسيرة مختصرة للقاسمي، وسيرة مختصرة للمؤلِّف.

تميّز الحوار الذي أجراه أولحيان مع القاسمي واستغرق 37 صفحة والذي سبق أن نشرته مجلة “عمّان”، بأسئلة جريئة مخاتلة، مثل:
ـ لغة نصوصك تعتمد كتابةَ مغامرةٍ لا  مغامرةَ كتابة، فهي تخلو من الدارجة، تُرى هل لهذا علاقة باختصاصك بوصفك باحثاً لغوياً؟
ـ تكتب قصة كلاسيكية، سواء على مستوى البناء أو على مستوى اللغة، فهل يمكن أن توضح لنا تصوّرك لجنس القصة القصيرة؟
ـ قلتَ في أحد تصريحاتك أنك كاتب بلا خيال. ماذا تريد أن تقول؟
ـ يحس قارئ نصوصك أنك تكتب في إطار نوع من الطهرانية، ولا تقتحم غرف النوم، هل يعود هذا إلى تصور أخلاقي يحكم كتاباتك؟

وجاءت إجابات القاسمي أكثر جرأة وأشدّ صراحة، فبيّن أن اختصاصاته اللغوية والتربوية والحقوقية تؤثر بصورة إيجابية على كتاباته السردية. فهو يؤمن أن الكاتب مواطن ذو رسالة اجتماعية، وأن عليه أن ينقل قيمه الاجتماعية والسياسية والخلقية إلى القارئ. وأن الفنّ يتطلب استعمال اللغة الفصيحة المشتركة، لا العاميات المختلفة التي استعملها بعض الكتاب ظناً منهم أن الواقعية تتطلب تعدد الأصوات، في حين أن الواقعية مدرسة فنية، أي أنها لا  تساوي الواقع وحده، بل تساوي الواقع زائداً الفن، ويتطلّب الفن ترقية معرفة المتلقي وذائقته ولغته. ومن ناحية أخرى أكد أنه لا يتهيب ولوج غرف النوم، ولكنه يدخلها على ضوء شمعة خافتة وليس تحت أضوء كاشفة فاضحة، لأنه ليس كاتب (بورنو) ولا كاتب (إيروتيك)، وإنما كاتب ذو رسالة. ومن ناحية أخرى أكد أنه لا توجد كتابة بلا خيال، لأن لغة الكتابة تغيّر الواقع الذي تنقله، لا لأن بنيتها وتعبيراتها السياقية والاصطلاحية تضع إكراهات على الكاتب، فتغيّر من دلالات لغته الداخلية وهي في طريقها إلى الورق فحسب، بل كذلك لأن اللغة مجرد رموز، والرموز لا تساوي الواقع، لأنها في أصلها وليدة الخيال. والفن بمختلف أنواعه ومدارسة يغيّر الواقع، فحتى الفنّ الفوتغرافي لا يمثّل واقع الموضوع كله بصدق، وإنما ينقل لنا واقعاً من وجهة نظر الفوتغرافي الخاصة.

وختاماً، فإن ” الكتابة والفقدان” كتاب قمين بالقراءة بل بالدراسة والتحليل، لأنه تناول القضايا الجوهرية في السرد من خلال تحليل الأعمال القصصية لكاتب بارز في ضوء النظريات النقدية الحديثة التي طبّقها واستثمرها الناقد أولحيان بدراية وحنكة.

عزيز العرباوي
كاتب وباحث