/الحقيقة الافتراضية في الفيلم الوثائقي

الحقيقة الافتراضية في الفيلم الوثائقي



ربما كانت الحقيقة غير المرئية او الوجه الآخر للحقيقة هو مايمكن اخذه بنظر الأعتبار لدى قراءة اسلوب وتجربة المخرج “ايرول موريس” الذي يعد اليوم وبجدارة واحدا من اهم اعمدة السينما الوثائقية على مستوى العالم .موريس ليس من نوع المخرجين غزيري الأنتاج لكن كل فيلم من افلامه كانت له رحلة نجاح ونال نصيبه من الأهتمام والشهرة .

عناصر تميز افلامه تتنوع بتنوع الموضوعات التي طرحتها واثارتها لتجلب معها الكثير من الآراء وردود الأفعال ولكنه بصفة عامة كان يبحث دائما عن التميز في المعالجة الفيلمية الوثائقية والشكل الفيلمي ، فالرتابة التي تسببها بعض الأفلام الوثائقية من خلال صيغة المياكروفون والمقابلة مع الضيف / الشخصية التي صارت لازمة اساسية وعنصرا لاغني عنه ، يستخدمه مويس دائما بطريقة مختلفة فهو يؤكد انه لايؤمن بفكرة الأسئلة المسبقة ، هو لايعد قائمة اسئلة يستنطق بها الشخصية او الضيف ، وهو يقول في مقابلة معه انه كان دائما مايردد وهو يقابل ضيفا في اي فيلم من افلامه “ياترى من اين سنبدأ” ولهذا فهو يترك للشخصية الحرية في تسليط الضوء على الموضوع الذي ستتحدث فيه من زوايا مختلفة مع تداخلات بسيطة من طرفه كمخرج .
موريس انجز حتى الآن ثلاثة عشر فيلما وثائقيا في كل مسيرته ولكنه حصد عن احد تلك الأفلام جائزة اوسكار احسن فيلم وثائقي عن فيلمه “ضباب الحروب” (2003) وهو الذي كرسه للكشف عن الوجه الآخر للتورط الأمريكي في حرب فيتنام والفضائع التي ارتكبت فيها ، كانت المساحة الأكبر في ذلك الفيلم هي لوزير دفاع الولايات المتحدة في الحقبة الفيتنامية “ماكنامارا” ، هنا ايضا كنا في مواجهة معالجة فيلمية استندت الى عنصرين اساسيين هما الوثيقة الفيلمية والمقابلات مع مكنامارا ، لكن اسلوب موريس ذهب بعيدا في قراءة الوقائع واخرج الفيلم من حيز المعرفة المسبقة بوقائع حرب فيتنام الى فهم منطقي واخلاقي لقصة حرب مشؤومة ذهب ضحيتها مئات الألوف .
صورة العنف والصراع

العنف الذي يلاحق الصورة ويطبعها ويشكل محتواها تجده ظاهرا وخافيا في آن في سينما موريس فهو يتعامل مع العنف والحرب والصراع على انه الحقيقة الوحيدة التي لايمكن الا التسليم بها بشكل ما والا ماكانت لتقع وماكان من سبب لكل تلك الخسارات وهو مايؤكده صراحة في اكثر من مقابلة معه.
الصراع واكب ايضا فكرة ومحتوى آخر افلامه “تابلويد”-2011- الذي ازاح كثيرا من الغموض والتفاصيل عن الحدث المدوي القائم على فكرة الأختطاف والأغتصاب على خلفية دينية ، اختطاف “كرك اندرسون ” احد اقطاب مذهب “المورمون ” المسيحي وهي الطائفة التي ظهرت مطلع القرن التاسع عشر على يد “جوزيف سميث ” (1805-1844) ، المهم ان اندرسون اختطف في العام 1977 على يد امرأة تدعى “جسي مكني” والقي القبض عليها وجرت محاكمتها ولكنها تحولت فعلا الى الموضوع الأبرز في صحافة “التابلويد” خاصة في صراع بين صحف التابلويد البريطانية ، المهم ان الفيلم يتصدى لعنصرين مهمين في القصة وهما خلفيات موضوع الأختطاف والقتل من خلال مقابلات مطولة مع “مكني” والمضي بعيدا في الكشف عن خلفيات عقيدة المرمون حتى تحول الفيلم في نظر بعض النقاد الى “وثيقة” ثقافية وسوسيولوجية لتسليط الضوء على حقائق مجهولة في حياة تلك الجماعة الدينية .

اقرأ أيضاً  مغزى التضحية في الاعتقاد الإسلامي

وفي واقع الأمر ان “العنف والصراع” يتحرك في فضاء الفيلم ويلاحق التفاصيل التي رسمت العلاقة بين الأضداد في الفيلم كرفض عقيدة المورمون او في استجلاء دوافع الجريمة التي اودت بحياة ذلك المبشر الشاب مع خلفية معلومة هي ماتعرض له اتباع طائفة المورمون انفسهم في الولايات المتحدة من ملاحقة وتشريد وقتل الى حد قتل زعيم الطائفة جوزيف سميث هو وشقيقه واحراق مصالح وممتلكات اتباعه على اعتبارهم زنادقة ومارقين في نظر خصومهم لأنهم اباحوا كثيرا من المحظورات الدينية وجاؤوا بمفاهيم دينية شكلت صدمة للكنيسة ومنها مثلا اباحة تعدد الزوجات .

مابين آخر افلام موريس واول افلامه ثمة رحلة في رسم مساره الأبداعي فقد عد اول افلامه “ابواب الجنة “(1978) واحدا من اهم الأفلام الوثائقية في وقته ومازال يعد واحدا من الأفلام الكلاسيكية المهمة التي اطلقت اسم وتجربة موريس وعرفت به على نطاق واسع .

الحقيقة الأخرى في الفيلم الوثائقي

لاشك ان اسلوب موريس يحيلنا الى التساؤل عن فلسفة الفيلم الوثائقي ، عن صيغته واسلوبه ، عن ذلك الكم الكبير من النصائح عن كيفية صناعة الفيلم الوثائقي كشكل وموضوع ومعالجة ، كيف ومن اين تبدأ وماذا تقدم ؟ ولو اسقطنا هذه الأسئلة مجتمعة على اسلوب موريس لوجدنا انه هو الآخر معني بها لاسيما عندما يتعلق الأمر بمايشاع مجازا في الفيلم الوثائقي ب” المصداقية” ثم المرادف الأهم لها وهو “الحقيقة” ، تلك الحقيقة التي يحملها الفيلم الوثائقي سواء اكانت هي التي يبتغي المخرج قولها وتجسيدها على الشاشات او انها مايعرف بالحقيقة الأفتراضية فالقصة تتحمل جدلا تسنده اللقاءات المتعددة لاسيما عندما يكون الفيلم الوثائقي متصديا ليس لمساحة بانورامية من الحياة بل الى بؤرة ومركز ونقطة وقضية محددة كالوقائع التاريخية او الأحداث السياسية او الفضائح الأجتماعية والسياسية والجرائم  وغيرها .

وعندما يسأل موريس في احدى المقابلات الصحفية عن تلك الحقيقة “المراوغة” وعن “فورمولا” وشكل واسلوب الفيلم الوثائقي فأنه يجيب اجابة مركزة وواضحة بمايلي:

” في البداية لابد من ان اقول اني ارى ان لاقاعدة معينة يمكن الأستناد اليها لصناعة الفيلم الوثائقي . ربما كانت القاعدة الوحيدة هي ان تسعى “للوصول الى الحقيقة”. والمسألة الأخرى ان تسعى لتقديم صورة العالم المعاش كماهي .

اقرأ أيضاً  "الكتابة والأجناس".. الشعر الحديث منفتح على الفنون

لكن السؤال الذي سيبرز هنا هو :كيف ستقوم بذلك ؟ فمثلا بعد انجاز  فيلمي “الخط النحيف الأزرق ” ووجهت بكم من الأنتقادات التي كانت تتلخض في اني لجأت في ذلك الفيلم الى اسلوب اعادة تمثيل الأحداث  وكأنني قد تنكرت للحقيقة عندما اعدت تقديم تلك الأحداث لكن الأمر يتعدى ذلك الى اننا اذا مضينا في هذا السجال فسنكون امام نوع من السفسطة في المضي الى مالا نهاية في المزيد من البحث والتحري وفي مزيد من المقابلات الشخصية بينما بموازاة ذلك كان اللجوء الى اعادة تمثيل الأحداث هدفه ليس طمس الحقيقة او التغطية عليها على الأطلاق بل اعادة ابرازها والكشف عنها بطريقة مختلفة بالأضافة الى ان هذه الطريقة تهدف الى جعل المشاهد اقرب الى ملامسة الحقيقة وادراكها .

هنا لابد ان اضيف مسألة اخرى هي السؤال عن التصوير في مكان حقيقي واستخدام ضوء حقيقي مما يجري الحديث عنه احيانا وانا اقول ان هذا الأمر ليس له ارتباط بالحقيقة التي اسعى للوصول اليها في اي فيلم من افلامي فالوصول الى الحقيقة وتقديمها يعد عملا مضنيا في هذا الجانب سواء بالتحري او المقابلات او غيرها من المصادر التي تحتاج الى جهود كبيرة لغرض التوصل اليها.

وظيفة التحري

كأن موريس يلعب دور التحري وهو ينغمس طيلة ثلاث سنوات في البحث والأستقصاء في خلفيات واصداء احدى الجرائم التي خلفت اصداءا واسعة وهي اغتيال رجل شرطة ، كان ذلك في العام 1976 عندما وقعت الجريمة في احدى الولايات الأمريكية وقيدت ضد مجهول حتى القي القبض على القاتل المفترض الذي سيطلق سراحه بعد ذلك بسنوات بعد ان استجدت متغيرات في الواقعة .

فيلم “الخيط الرفيع الأزرق” -1988- يعده موريس اهم افلامه لأنه استمتع بالعمل في استجلاب الحقائق الى الشاشة في قضية شغلت الرأي العام لكن المسألة تتعدى ذلك فموريس وقد بدأ اسلوبه بالرسوخ بدأ يميل اكثر نحو زج جوانب من الغموض على الحقائق حتى كشفها من زوايا متعددة وهو الأسلوب نفسه الذي سيتبعه في فيلمه المهم عن احداث سجن ابو غريب والذي حمل عنوان “Standard Operating procedure” …

ربما كانت نقطة اللقاء بين الفيلمين هي “التحري عن تلك الحقيقة” التي كانت قبل صنع الفيلم افتراضية تتوزع على السنة المتحدثين ووسائل الأعلام وجرى تداولها  من خلال الأشاعات حتى يبدأ هو بالأنتقال الى دور الباحث والتحري الذي سيدفعه المضي في استجلاء الحقيقة الى اعادة انتاجها بصريا على شتى المستويات ومن ذلك تلك السلسة من الآراء التى تكمل بعضها في تحريه عن تلك الجريمة الغامضة في قتل الشرطي .

اقرأ أيضاً  تحدي الكتب العشرة المؤثرة: تشجيع أم تمييع للقراءة؟

المخرج والفيلم الوثائقي وقد تحولا الى شاهد ، كل ذلك سيحيلنا الى اعادة قراءة الفيلم الوثائقي لجهة الحفاظ على المصداقية وفيما اذا كانت اعادة تمثيل الأحداث تعد خرقا لقانون” الفيلم الوثائقي وطبيعته ام ان المخرج من حقه ان يلجأ الى جميع الوسائل التي تعينه للوصول الى الحقيقة عندها سيكون السؤال عن “الحقيقة” لاعن الفيلم الوثائقي كقوانين فيلمية واخراجية متواترة ومتراكمة في مسار السينما الوثائقية وكأنها اعراف راسخة وان خرقها يعد مساسا بروح وشكل وتصميم واسلوب الفيلم الوثائقي .

لعل هذا النقاش ضروري ومفيد من خلال عينة وتجارب محددة من خلال اسلوب موريس المتفرد والمميز وهو مايستحق ان نمضي معه قدما في استجلاء الصورة الخاضعة للجدل والنقاش .

ومرة اخرى يؤكد موريس في احدى مقابلاته ان المشكل في الولوج الى الحقيقة في الفيلم الوثائقي هي في السؤال اين انت واين تمضي واين ستتوقف بمعنى ان الفكرة اذا كانت حاضرة في اثناء اجراء المقابلة مثلا فأن هنالك نقطة بداية ووسط وانتهاء فكيف اذا كان هذا التدرج غائبا بشكل ما بينما تحضر القيمة التي ستسهم بها تلك المقابلة في استجلاء جوانب اخرى من الحقيقة الغائبة .

وعلى هذا فالموضوع سيتسع ليشمل “اسلوبا ” و ” طريقة” في المضي في سرد القصة والوصول الى الوقائع المتتابعة التي توصل الى الحقيقة التي تتعدى كونها افتراضية الى كونها خلاصة يقدمها الفيلم مع ان السؤال سيكون ايضا مثيرا فيما ذا كانت تلك هي الحقيقة النهائية ام انها تفتح ابوابا للجدل والنقاش وهو ماستتسع له مساحة الفيلم الوثائقي .

يستحق فيلم موريس عن وقائع سجن ابو غريب والحقيقة الغائبة ، يستحق مني وقفة اخرى امضي فيها مع اسلوب موريس وتجربته المهمة التي يمكن الأستفادة منها وان تثري بعض التجارب الوثائقية العربية باتجاه النظرة العمودية للظواهر بعدما ادركنا طويلا ان الفيلم الوثائقي العربي يستغرق احيانا في البانوراما والعرض الأفقي اكثر من الغوص عميقا فيما وراء الحقيقة الأفتراضية الى الحقيقة التي يجب الوصول اليها من خلال ما يمكن ان اسميه مجازا ب”المخرج – التحري” الذي يجد متعته في تسليط الضوء على الحقيقة من زواياها المتعددة ويدفع باتجاه قراءتها قراءات متعددة وهو الأمر الذي يحيلنا بكل تأكيد الى وظيفة الفيلم الوثائقي ودوره والأساليب المتجددة في صناعته وهو مايستحق تسليط الضوء عليه .

 

طاهر علوان

الجزيرة الوثائقية