/شذرات فلسفية: العولمة وحالة الفكر في حضارة إقرأ

شذرات فلسفية: العولمة وحالة الفكر في حضارة إقرأ



“شذرات فلسفية”، كتاب يجعل من الفلسفة، شأنا عاما، وقضية لا تخص نخبة مثقفة، محدودة العدد، بل كل الناس. وكُتب لكي يكون في متناول الجميع.

لقد كتب زهير الخويلدي كتابه برشاقة المثقف والمفكر الذي يعرف كيف يجعل من قطوفه دانية. كما يعرف كيف يقدم أفكاره على طبق من فضة لمختلف المستويات. الأمر الذي يشكل امتيازا، لاسيما وسط الافتراض بان للفلسفة لغة معقدة، وانه لا سبيل الى فهمها.

على عكس هذا الإنطباع، يقدم الخويلدي الدليل، في هذا الكتاب، على انه ما من إنسان إلا وكان فيلسوفا، على اختلاف مستواه التعليمي او المعيشي.

المسألة تتعلق، من دون أدنى شك، بفهم للفلسفة مختلف عن المفهوم السائد. فهي ليست نظريات مكتوبة تسطر أفكارا مقعرة، بلغة عسيرة، وانما طريقة لفهم الحياة. وما من إنسان إلا ويملك فكرة ما عن حياته ومحيطه وسبل عيشه والعلاقات التي يحيط نفسه بها. والفلسفة إنما تبدأ من هنا: من رؤية يكاد يملكها كل إنسان.

ولهذا السبب فقد أعد الخويلدي كتابه ليكون لكل قارئ.

انه واحد من أرقى الأعمال الفكرية العربية، ويستحق ان يحتل مكانة مرموقة بين الأعمال التي لا يخرج منها القارئ إلا وهو يشعر بانه كسب معرفة لا تقدر بثمن.

يقول المؤلف، في استهلاله للكتاب:

لقد اضطر الفكر العلمي الى فصل هذا التلاحم بين حكم القيمة والتحليل، لأنه كان قد بدأ يتبين أكثر فأكثر أن القيم الفلسفية لا تسمح بتنظيم المجتمع ولا بتحويل الطبيعة. فلقد كانت هذه القيم عديمة النجع وكانت تفتقر الى الواقعية.

ويضيف: يا لصدمة الفيلسوف زمن العولمة! ويا لوضعيته الصعبة! فهو على ظاهر وصوله الى المعرفة المطلقة وتشييده للنسق الذي أكمل خدمات الواقع وصار لغته مازال بعد أخف من الملائكة مثقفا هائما وإنسانا جهولا “علمنا شيئا وغيب عنا عدة أشياء”، لا يعرف “كيف يقول؟ ولا ماذا يقول؟

” ألا ترى كيف أنه يؤثر الهدم على البناء والتفكيك على التأسيس والافتقاد على الامتلاء ويحاول جاهدا الكشف عن العدم ونقد النظريات دون أن يقتفي آثار المعنى ودون أن يأخذ بعين الاعتبار المشاكل الواقعية الملحة ثم ألا ترى كيف أنه يلقي بنفسه إلى الأمام وفي المجهول عن طريق العودة إلى الأصول والوقوف عند الأسس ويزعم تحقيق الصعود والنهوض من خلال القيام بخطوات إلى الوراء والتواري عن الأنظار كما يفعل الجهلة من الخلق؟

هل هناك شيء أسوأ من أن يتحقق الإكتمال النظري للفلسفة عن طريق تحويل الجدال الفكري بين العلماء إلى صراع فعلي بين البشر وحروب بين الدول وصدام بين الحضارات؟

اقرأ أيضاً  «دكتور زيفاغو» في معركة الكرملين والاستخبارات الأميركية

بأي معنى تنجز الفلسفة نفسها ذاتيا وتسمى عناقا للعالم لما تتجاوزه فعليا وتتعالى عليه ولم يعد بينها وبينه أي علاقة سوى التأمل النظري؟

لكن لو كان ما يدعيه هذا الفيلسوف صحيحا فيا ترى كيف بالتأمل الذي ينغمس فيه الفيلسوف عروجا إلى الحق يفضي به إلى مستنقع الأوهام؟ ألا يجدر به هنا “أن يتخلى عن وضع يكون في حاجة إلى الأوهام عوض أن يحاول التخلص من الأوهام المتعلقة بوضعه”؟

ألم يكن يريد إقامة حقيقة العالم بإزالة عالم ما وراء الحقيقة؟ فلماذا هو يهتم الآن بالأفكار كما لو كانت كيانات مستقلة لا تخضع إلا لقوانينها الخاصة ويدعي أنها قادرة على الفعل في الأشياء والتأثير على الأشخاص ويضع العدم إله مطلقا ليغتاب به الوجود الحقيقي ويدجن براءة الصيرورة؟

وهل بعد هذا نستغرب أن هذا الفيلسوف في مأزق ومن أن وجود الفلسفة في حد ذاتها في وضع متناقض؟ إذ كيف نفهم هذا اللبس:

كلما استحدث الفيلسوف شيئا سابغا عليه أوصاف الكمال والأبدية ما لبث أن تأذى منه بوجه من الوجوه وحجب ظهور هذا الشيء أبعاد أخرى وكلما أرادت الفلسفة أن تفضح الأوهام وتقضي على التشويهات التي يتعرض لها الإنسان في وجوده والقيمة التي يمنحها لنفسه وللأشياء التي تحيط به كلما وجدت نفسها هي أيضا كنوع من التشويه الذي يحول الأوهام إلى حقائق والإستعارات الميتة إلى قيم ومبادئ؟

ما أشد غربة هذا الفيلسوف وما أعظم غفلته حين يمضي إلى تدبر أمر الوجود متفقها في الأدوار التي تنهض بها اللغة محولا الوقائع إلى تأويلات دون أن يبالي بالمنعرج الذي حدث للغة وللتغير الذي طرأ على نظام الخطاب – فاللغة لم تعد إطار تحقق الذاتية ومسكن الوجود ولا الكلام الذي نعبر به عن صوت الوجود الأخرس بل أصبحت حافلة بالسلطة والرغبة تقول صمتا أكثر مما تقول كلاما وكأنها جعلت لتخفي فيها ما نريد قوله.

فكيف يمكن تدبر الأمر وتفادي الوقوع في الفخ الهيجلي الذي جعل من كل تفكير مضاد له تفكيرا معه ومن أجله؟

هل يعني هذا صعوبة الإفلات من قبضة النسق الهيجلي أم أن أفق التفكير الفلسفي هو أفق مصدود نظرا لأننا نتحرك داخل دائرة مغلقة ودور منطقي وإزاء طريق لا يؤدي إلى أي مكان؟

اقرأ أيضاً  ذاكرة الأشياء – فصول من سيرة ذاتية

ألا يمكن للمرء أن يخوض التفلسف خارج التربة التي هيئها هيجل إن ” كان التفلسف هو تساؤل خارق للعادة خارج النظام عما هو خارج النظام” كما يقول هيدجر وطالما أن جهل الفيلسوف اليوم يعود إلى انهمامه بالبحث عن سبيل للخروج من هذه الكماشة دون أن يتفطن إلى أن الحل ليس في الفرار من النسق الهيجلي والهروب من اللغوسLogos الاغريقي أو الحكمة العربية أو الراسيو Ratio اللاتيني بل اختراقه واقتحامه ومعاودة الدخول اليه عبر انتزاع حق المواطنة والضيافة معا وعبر أسلوب مخل للحياء لا يتحرج من وقاحته وجهله الحكيم.

ويقول المؤلف: إن ما ينبغي الإنتباه إليه هو أن الفكر الغربي بعد أن أعلن أفول الآلهة وموت الإنسان ونهاية التاريخ عبر كأحسن ما يكون عن تمركزه اللوغوسي حول نفسه وتماهي إرادة المعرفة مع إرادة القوة وارتباط السيطرة على الطبيعة بتسيد العالم والسيطرة على الإنسان.

بيد أن هذا المصير الذي قدر له أن يكونه شق في جسده جرحا لا يندمل أبدا وقسم روحه إلى شطرين قد لا يقبلان الإلتئام مجددا “أحدهما يفكر والآخر ينظر إليه وهو يفكر”: الذات والموضوع، الروح والجسد، العقل والتجربة، المثالية المفرطة والواقعية المفرطة.

وإن حاول المرء اليوم استئناف تجربة التفلسف تحريرا للحقيقة من براثن التطابق والتمثل وانقاذا للقيمة من رقابة مبدأ المردود والنجاعة وانتشالا للمعنى من اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول وبين الكلمات والأشياء ليس له من بد إلا الإنخراط في الفكر الجدي المختلف الطامح إلى تجاوز الميتافيزيقا سواء كان هذا الفكر ملتحما بالنظرية التأويلية التي عوضت مطلب الحقيقة بمطلب المعنى وانفتحت على وجود الإنسان كما هو في العالم وكما هو مع الآخر انقاذا له من التيه والاغتراب أو كان مشدودا إلى النظرية النقدية التي توخت استراتيجية تحطيم الأوثان واختراق الأنساق وتفكيك الأسس والمراكز بالإنفتاح على التخوم والهوامش.

لكن إن كان العقل التأويلي قد تقمص رداء الهيرمينيطيقا التي ظلت وفية لإستراتجية اللغوس التأسيسية فإن العقل النقدي قد بلغ ذروته القصوى مع الإختلاف الذي وجد في الغراماتولوجيا والتفكيك بيانه الإختتامي.

تجدر الملاحظة أن هذه النهاية للفكر الغربي لم تكن سعيدة ولم تكن تتويجا للدرجات التي انتهى إليها الوعي البشري بل إيذانا بتشتت جهود هذا الفكر ودخوله في مضيق تجلت في هذه الحيرة المقضة وهذا التراوح بين التأسيس والنقد وبين التأويل والتفكيك وبين المعنى واللامعنى، فما مطلوب الفلسفة اليوم حتي توقظه من سباته: الحقيقة أم المعنى؟

اقرأ أيضاً  مالك جندلي.. أول موسيقي عربي يطلق سيمفونيته في قاعة «كارنيغي» الأميركية

الفهم عن طريق الذوق أم الموضوعية العلمية عن طريق قواعد في المنهج؟

وما هي خطتها للظفر بهذا المطلوب؟

هل هو التأويل أم التفكيك؟ اللغوس أم البوليموس؟

التأسيس أم النقد؟ القراءة أم الكتابة؟ التاريخ أم البنية؟

ويقول المؤلف: ان ما يستحق الاهتمام اليوم في كل الممارسات الفكرية المتنافرة والمقاربات التعقلية المتباينة والمعقوليات الجهوية الجديدة وما يمثل قطب الرحى أو مركز الثقل هو التوقف عن هذا “السبات الأنثربولوجي” على عبارة ميشيل فوكو والتوجه على التو نحو الظفر بمسألة المعنى والتحصن بمطلب القيم خصوصا وأن الهرمينوطيقا التي نحت منحى أنطولوجي فلسفي وجعلت العلوم الانسانية سندا لها عبر طريق طويل تشرع امكانية ذلك.

وكذلك الغراماتولوجيا التي ارتكزت على تشابك الروابط بين المعرفة والسلطة والرغبة واللاشعور والكتابة والقراءة قد تلتقي معها على نفس مسطح المحايثة وتشترك معها في كون قضية المعنى والقيمة مازالت المطلب الأول والأخير للتفلسف حتي في ظل تلاشي المعنى ووصول القيم الى الحافة وحضور اللامعنى والفارغ من كل معنى والمضاد للمعنى.

فإذا كان الأمر كذلك ماذا يمكن أن نفعل اليوم وغدا في ساحة الفكر الذي يخصنا التابع لحضارة اقرأ في زمن هذه العولمة الضاغطة؟

ويضيف: تنتاب الفكر في حضارة إقرأ حالة من الحيرة المقضة والريبة الشمولية نتيجة العولمة الضاغطة وضياع البوصلة بالنسبة للعرب ولكن نقطة أرخميدس والأرض الصلبة التي ينبغي أن نقف على مسطح محايثتها بثبات ونبدأ منها انطلاقتنا الثانية نحو المدينة العالمية هي فلسفة المقاومة بما هي طريقة تعبر من خلالها الشبيبة العربية المسلمة الأبية عن الوعي بذاتها كطبقة صاعدة تحاول أن تفهم الماضي وتنقد الحاضر وتصنع المستقبل.

ولذلك ارتأينا أن نقسم هذا العمل الافتتاحي الى جملة من الحركات الفكرية كانت كلها تعبيرا بلغة المفهوم عن ما ينتاب الذات من خلجات وحسرات ناتجة لما تتعرض له الملة من نكبة كينونية سببتها العولمة والحرب والتي أدت الى صدمة الفكر في حضارة اقرأ.

صدر “شذرات فلسفية” عن دار “اي كتب” وهو كتاب شديد الغنى، واسع الإطلالة على قضايا الفكر والمعضلات الحضارية التي تواجه الثقافة الإسلامية. ولا غنى عنه لكل قارئ.