/حياة بنى إسرائيل فى مصر بين حقائق الدين ومصادر التاريخ

حياة بنى إسرائيل فى مصر بين حقائق الدين ومصادر التاريخ



يتناول مؤلف الكتاب هشام سرايا موضوعا شغل الكثيرين على مر الزمن وأثار الكثير من الجدل، هو قصة بنى إسرائيل (نشأة، وموطنا وحضارة وأديانا… إلى أخر ما يتعلق بحياة مجتمع بشرى).

ونجد أن هذا الكتاب يعد بمثابة قراءة جديدة للأحداث القديمة المستقرة والتى أصبحت، مع الوقت، من الثوابت. بحيث يحاول المؤلف زحزحة تلك الثوابت بأدلة جديدة يستقيها من المصادر الدينية والأثرية على وجه الخصوص وبطريقة سلسة منتهجا أسلوبا منطقيا بحثيا مميزا ومشوقا فى الوقت نفسه، فسرايا ،رجل القانون، درس الآثار وراح فى كتابه يلضم التفصيلة بالأخرى ليكتب بحجة القانونى وبعقل الباحث الذى يخضع مادته للمنطق. فى هذا الكتاب الذى يصدره مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع ويقع فى 656 صفحة.

ركائز الكتاب:
ويهدف هذا الكتاب فى الأساس إلى تحديد الزمان الذى دارت فيه أحداث قصة بنى إسرائيل فى مصر، وأشخاص الراوية التى تحكيها الكتب المقدسة، وعلى رأسهم فرعون موسى، تلك الشخصية التى شغلت العالمين قديما وحديثا.

وحدد المؤلف الركائز الأساسية للكتاب فى خمسة عناصر:
حقيقة دخول بنى إسرائيل أرض مصر وإقامتهم بها حتى خروجهم مع موسى عليه السلام.
حقيقة غرق فرعون وإبادة الجيش المصرى عن أخره فى رحلة الخروج.
حقيقة قضاء فترة التيه.
حقيقة دخول بنى إسرائيل فلسطين بعد سنوات التيه.
الحقيقة التاريخية لوجود وانتهاء الحكم المصرى لفلسطين.

والمؤلف فى سبيل البحث عن الحقيقة وإبرازها بصورة موضوعية بعيدة عن الأهواء والميول الشخصية – يعتمد ثلاثة مصادر لاستقاء المعلومات والحقائق، فى طريقة تعتمد على التوفيق بين هذه المصادر، وهى: الراوية التوراتية، والراوية القرآنية، والمصادر التاريخية متمثلة فى الآثار وما سجلته لنا كتابات الجداريات والبرديات والمراسلات فى تلك الحقيقة السحيقة من التاريخ.

ويتخذ المؤلف منهجا يقوم على مناقشة الآراء السابقة عليه فى هذه القضية، حيث يعرض لها بالبحث والدراسة والتحليل مفاضلا بينها، ثم ينتهى إلى رأيه الذى يرتضيه ثم يعرض أدلته على ذلك، وهو فى ذلك يضع عددا كبيرا من الآراء بين يدى القارئ، بحيث تتاح له الفرصة فى المقارنة بين الآراء واختيار الراجح، ويتجلى ذلك فى واحدة من أكثر نقاط الكتاب إثارة للجدل وهى تحديد خروج بنى إسرائيل من مصر.

أبو الأنبياء فى المحروسة:

أتى إبراهيم مصر خائفا يترقب، فوجد فيها الأمن. كان أبو الأنبياء، ومعه لوط، عليهما السلام، أول أقدام عبرانية تطأ أرض مصر. هربا من المجاعة التى ضربت كنعان (فلسطين). وبين المصريين وجد الرجلان كسرة الخبز والمأوى إلى أن “صعد أبرام من مصر هو وزوجه وكل ما له ولوط معه إلى الجنوب، وكان أبرام غنيا جدا فى الماشية والذهب والفضة”

بقى إبراهيم فى مصر 7 سنوات على ما يذكر ويجل. وعند هذه السنوات، عند الجذور، يحفر كتاب “حياة بنى إسرائيل فى مصر بين حقائق الدين ومصادر التاريخ”، فى استقصاء للحقائق من منابعها الأولى.. كلام الله (القرآن)، فى مواجهة كلام البشر (التوراة)، ثم يستنطق التاريخ والآثار.. الخبر والحجر.

جرثومة الشك:

منذ هذه الزيارة وما جرى فيها تبدأ فى التناسل جرثومة الشك، حيث يستنكر المؤلف ما تدسه التوراة على أبى الأنبياء من أنه استعمل امرأته (سارة) كأخت له، أراد بذلك أن يفتح الباب للطمع فيها، كى يمرر مصالحه. كتبة العهد القديم، كما يقول سرايا، لم يجدوا غضاضة فى أن يظهروا إبراهيم فى صورة من يستغل زوجته لأغراض دنيئة.
إذن ثمة اختلافات جوهرية بين القرآن والتوراة، يعددها “سرايا” ويخلص منها إلى أن يد التحريف قد امتدت للتوراة، اعتقادا من المحدثين أنهم بذلك يحافظون لبنى إسرائيل على نقاء العنصر، وهو الهاجس الذى سيطر على العصر الذى أعيد فيه تدوين توراة موسى (الأسفار الخمسة الأولى) وإضافة الأسفار اللاحقة عليها.

أسرلة الرب:

وفى رأى المؤلف أن ذلك العصر شهد انكسار وتشتت بنى إسرائيل، ولذلك حرص الكهنة على التركيز على الروابط العنصرية وربطها بجوهر الدين “أسرلة الدين”، فأدخلوا فى روع الشعب أن إبادة الأجناس الأخرى كان سلوك أنبيائهم وزعمائهم، وأن الحفاظ على نقاء العنصر هو نهج موسى ويشوع. لم يريدوا أن يندمج شعب إسرائيل مع غيره، وعليه راح هؤلاء الكهنة، أصحاب المنهج البشرى القائم على الاستعلاء، يكرسون لـ “أسرلة الرب”، حيث يصر العهد القديم على تصوير الله على أنه رب بنى إسرائيل فقط، ولهذا لم يكن إبراهيم، حسب هذا المنهج، رسولا لكل الناس، ولا إسحق ولا يعقوب ولا يوسف. كل أنبياء إسرائيل تنكر التوراة عليهم رسالتهم لشعوب الأرض كافة. تلك هى بذرة العنصرية البغيضة التى تقصر الدين فيهم والرب عليهم والأرض لهم وحدهم!!

لقد جعل الكهنة التوراة ذاكرة عرقية تصونهم من الاعتراف بـ “الأغيار”، حتى إنهم يقسمون العالم إلى قسمين: نحن وهم، بحيث لا يرون فى الآخر سوى عدو!

رؤية مغايرة للثوابت:

يشير “سرايا”، اتفاقا مع معظم الدراسات التاريخية وبالاستناد على ما يعرف بـ “نص حتشبسوت”، إلى العام 1643 ق.م.، موعدا لدخول بنى إسرائيل إلى مصر واستقرارهم بها فى أرض جوش (جاسان) التى منحها يوسف للأسباط، واتكاء على القرآن والتوراة يقص المؤلف سيرة “يوسف”، منذ أن دخل مصر غلاما وبيع فيها عبدا، ثم مكن الله له فى الأرض فتولى خزائن مصر. وبعد أن التقى إخوته وتعرف إليهم، طلب منهم أن يرجعوا إلى أرض كنعان ليأتوا بوالده يعقوب الذى يؤرخ لدخوله مصر بحوالى عام 1700 ق.م. وكانت تلك بداية حياة استمرت 430 عاما على أرض مصر.

وإذا كان دخول بنى إسرائيل حقيقة مؤكدة، يقول سرايا، فإن هذه المدة التى حددتها التوراة ليست على قدر من الثبوت يكفى لاعتبارها حقيقة يعتدّ بها يقينا، فهذه المدة تتعارض منطقيا وتاريخيا مع تواريخ أخرى وردت فى التوراة نفسها، أهمها أعمار سلالة موسى.

هذا هو الجديد الذى يقدمه الكتاب.. نبش المسلّمات التى اعتبرت من كثرة الترديد بديهية، ومنها، إلى جانب مدة الإقامة، غرق فرعون وإبادة الجيش المصرى، وكذلك فترة التيه، ثم دخول بنى إسرائيل فلسطين، بعد سنوات التيه، وأخيرا وجود وانتهاء النفوذ المصرى فى فلسطين، ذلك كله، ينقب عنه “سرايا” ويقدمه فى قراءة مغايرة للثوابت. مثلا، استقر فى كتابات السلف أن ملك مصر فى عهد يوسف كان من ملوك العرب ويدعى “الريان بن الوليد”، ومن السهل تقريب اسم الريان باسم الملك خيّان. لكن “سرايا” يقلب ذلك على مختلف وجوهه، ثم يترك القارئ يعتنق ما يصل إليه من نتائج.

اقرأ أيضاً  «السيدة الأولى» و «لعنة» كرسي الرئاسة

بنو إسرائيل فى مصر، متى؟

وقد توصل سرايا بعد بحثه إلى حقيقة أن دخول بنى إسرائيل مصر كان فى عهد الهكسوس، مستندا فى ذلك على أدله كثيرة استقاها من مصادر بحثه نستعرض بعضا منها هنا ومنها:

–    أن القرآن الكريم، فى مجاز لغوى، يتفق وأدق التفاصيل التى كشفت عنها الآثار فى العصر الحديث. وذلك عندما استخدم فى سورة يوسف لقب “ملك”: (قال الملك إنى أرى سبع بقرات).. الآية. فى حين أنه يلقب الحاكم الذى عاصر “موسى” بـ “فرعون”: (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون). فهذا التعبير القرآنى الذى يميز بين حاكم مصر فى عهد يوسف عن عهد موسى، يؤكد أن يوسف عليه السلام قد وصل إلى مصر فى عصر لم يكن فيه الملوك المصريون يتخذون لقب “فرعون” الذى بدأ استعماله فى الأسرة الثامنة عشرة. مما يدل على أن يوسف قد عاش قبل هذا العصر، تحديدا فى عصر الهكسوس.

–    ويسوق الكاتب دليلا آخر، أنه لم يكن ممكنا ليوسف، وهو مجرد بدوى عبرانى، أن يحكم فى مصر الحرة ذات النعرة المتعالية على الأجانب، حتى إن المصريين كانوا يقولون: “الأجانب أصبحوا ناسا”، لم يكن يوسف، ومصر حرة، أن يصل فيها إلى مرتبة “عزيز مصر” نائب الملك أو الوزير.

والخلاصة أن الإسرائيليين، على عهد يوسف، عاشوا فى مصر فى سلام، لكن الأقدار كانت تحفر لهم نفقا معتما مكثوا فيه أكثر من مائة عام. وكانت حتشبسوت هى التى دقت فى نعشهم أول مسمار، إذ تحول الرخاء إلى محنة وعبودية على عهد موسى، لكننا قبل أن نعرض لذلك، نتساءل، مع المؤلف، لماذا لم تأت التوراة على أخبار بنى إسرائيل ما بين يوسف وموسى؟!

التوراة تنسى ما بين يوسف وموسى:

يقول “سرايا”، أن المرحلة الأولى التى دعا فيها يوسف المصريين للإيمان بالله الواحد ونشر الأسباط لعقيدة أنبياء إسرائيل فى مصر الشمالية والوسطى، والمرحلة الثانية التى حدثت فيها التدبيرات الإسرائيلية حدت بإخناتون، وأخواله الإسرائيليين، إلى إعلان عقيدة التوحيد، ديانة رسمية لمصر. جوهر هاتين المرحلتين ونتائجهما يتنافى تماما مع الاستخدامات العنصرية اللاحقة التى بثها كهنة إسرائيل فى العقيدة الإسرائيلية التى كانت سماوية وتحولت على أيديهم إلى ديانة وضعية، سميت، لاحقا، بـ “اليهودية”، وبناء عليه تجاهلت أيدى الكهنة العلاقات المصرية – الإسرائيلية خلال عهد يوسف والأسباط وفترة الانتشار الدينى حتى ميلاد موسى.

وخلاصة ما ينتهى إليه “سرايا” أن الإسلام (الإيمان بالله الواحد) قد دخل مصر على يد يوسف عليه السلام، وكان له أتباع ومعابد تقام فيها شعائره، وبعد سقوط حكم الهكسوس على يد الملك أحمس تعامل ملوك مصر، بعد التحرير، مع القبائل الوافدة التى استمرت فى العيش بمصر، ومنهم بنو إسرائيل، بتسامح. لقد استمر هذا الدين حيا فى العلن، إلى جانب العبادات الوثنية القديمة دون صراع، بالأسلوب ذاته الذى وضعه يوسف فى التعامل مع الديانات الأخرى” التعايش”. ومع استمرار الإيمان كان طبيعيا أن يصبح بنو إسرائيل، أصفاد الأسباط، هم رجال هذا الدين الذى يقع على عاتقهم نشر الدعوة وردياتها للحفاظ على دينهم. وأصبحت، من ثم، “أفاريس” هى قبلة هذا الدين، وشطرها يولى المؤمنون وجوههم. وقد استمر هذا الوضع قائما إلى أن حدث الاصطدام الأول مع ملوك طيبة فى عهد حتشبسوت.

ميلاد إسرائيل

وينتهى الكاتب إلى أن حملة الملكة الغاضبة وإن كانت قد أسفرت عن تشتيت أعداد من بنى إسرائيل إلا أنها لم تستأصل شأفتهم. وإزاء الخطر الذى داهم بنى إسرائيل ونبه السلطات إليهم كان عليهم أن يعيدوا ترتيب الأثاث فيما كان البيت يحترق، مع ذلك، بعد أن أطفئوا النار أفلحوا فى التقاط أنفاسهم، حين خرج من بينهم رجل كان له دور فارق فى توجيه دفة الأحداث على مستوى القمة. “تويا” وإلى جواره يستدرج “سرايا” أسماء أخرى إلى خشبة المسرح، تمسك معه بخيوط المشهد الجديد.

وما حدث أن سلسلة مؤامرات قد جرت أدت ببنى إسرائيل إلى عبور النهر نحو الضفة الآمنة.. سدة الحكم والتحكم. ويربط الكاتب، مقدما الأدلة، بين هذه المؤامرات وبينهم. تبدأ المؤامرات بالأمير الشاب تحتمس الذى يعيش فى “منف” مع باقى إخوته ولى العهد والأمراء، أبناء الملك “أمنحوتب الثانى”. وفى منف كان الأمير يتجول بعربته الحربية، فإذا به يلتقى الفتاة الجميلة “موت إم أويا” فأحبها وتعلق بها قلبه. ولا نستطيع، مع سرايا، أن نعرف ظروف اللقاء الذى جمعه بتلك المخطية مجهولة الأصل، وهل هى صدفة مدبرة، إذا جاز التعبير.

يستدل الكتاب من المصادر التاريخية أن تحتمس كان وقتها فى السادسة عشرة من عمره حين أقام علاقته مع “أويا” وأنجب منها أول أطفاله، وبعد أن أصبح ملكا أصبحت هى بالضرورة، الملكة، مع أنها لا تنحدر من دم ملكى، وبالتالى أصبح ابنها “أمنحوتب الثالث” ولى عهد لأبيه تحتمس، والفرعون القادم.

ولنأت مع الكاتب على ذكر الوقائع إجمالا:

–    تزوج تحتمس الرابع محبوبته وأنجب منها فى العام 1400 ق. م، قبل اعتلائه العرش بنحو عامين أو ثلاثة.
–    وصل تحتمس إلى الحكم، رغم أنه لم يكن وليا للعهد، وقد تم ذلك، فيما يقول سرايا، بتدبير من كهنة إله الشمس (بنى إسرائيل).
–    عاجلت المنية تحتمس الرابع شابا فخلفه ابنه أمنحوتب الثالث، تحت وصاية أمه، وكان حينذاك فى الثانية عشرة من عمره.
–    فى العام التالى تزوج أمنحوتب من “تى”.. واحدة من عامة الشعب والدتها “تويا” ووالدها “يويا” الذى يتقلد الكثير من المناصب الدينية والإدارية وأصبح له شأن فى الدولة.

إخناتون حفيد إسرائيل:
ونقفز على الأحداث فنصل إلى “أمنحوتب الرابع” (إخناتون لاحقا) الابن الثانى لأمنحوتب الثالث الذى مات دون الخمسين، بسبب انهماكه فى الملذات. أمنحوتب هذا أصبح وليا للعهد ثم تزوج من نفرتيتى “إبنة خاله”.. حفيدة يويا وتويا. وقد وصل إخناتون إلى طيبة فى السادسة عشرة من عمره وأقام داخل القصر الملكى الذى بناه أبوه فى “ملقاطة” على الضفة الغربية للأقصر، وفى حوالى العام الخامس أو السادس من حكمه أعلن إخناتون عقيدة التوحيد.. آتون الإله الواحد الأحد للدولة. وانتقل مع زوجته نفرتيتى وكبار رجال الدولة إلى عاصمة البلاد الجديدة “آخت آتون” (العمارنة)، مصدرا أوامره بإغلاق المعابد الوثنية ومحو أسمائها وعلى رأسها معابد آمون ومحا لفظ “الآلهة”، ليحل محلها الإله الواحد.

اقرأ أيضاً  الـ «دليفري» والأسرة المصرية... يد واحدة

وترتيبا على هذه الوقائع يصل “سرايا” إلى حكم يقينى بأن “يويا” (الإسرائيلى) و “موت إم أويا” الإسرائيلية يقفان وراء المؤامرة التى انتهت بوصول تحتمس الرابع إلى الحكم. لقد كان تحتمس وسيلة عبر عليها بنو إسرائيل نحو أهدافهم ومنها.. فرض العقيدة الإسرائيلية وانتزاع النفوذ والسيادة الدينية، وكذلك أموال وأوقاف المعابد، وإعداد فلسطين للهجرة وسلب السيادة المصرية عنها.

سقوط “الآتونية”:
وفى موضع آخر على خشبة المسرح كانت تجرى، من وراء الستار، مؤامرات أخرى أدت إلى انحسار المد المصرى خارج الحدود. فداخل البلاط المصرى فى “آخت آتون” كان الموظف المسئول عن الشئون الخارجية وتلقى اتصالات المستعمرات رجلا إسرائيليا اسمه “دودو”، الذى كان يلقب بالفم الأعلى للملك إخناتون وخادم حجرته الخاص. هذا الرجل كان يفصل فى رسائل الأمراء فى سوريا وفلسطين ويصدر إليهما وإلى غيرهما من أمراء المستعمرات الأوامر. ويخلص سرايا، من الرسائل المتبادلة بين “دودو” وبين هؤلاء الأمراء، ومن النتيجة التى انتهى إليها أمر الممتلكات المصرية فى سوريا، إلى وجود اتفاق بين “دودو” وبين هؤلاء على سحب النفوذ المصرى من سوريا وتركها فقط تحت ضربات “الحيثيين” وجانب من الاتفاق ينص على أن يتعاون العبريون مع الحيثيين فى رد أى اعتداء مصرى، أو حتى محاولة مصرية لاسترداد نفوذها، مستقبلا فى آسيا.

إذن إلى كهنة عين شمس “الآتونيين” وإلى الكاهن “يويا” يشير “سرايا” بإصبع الاتهام، مستدلا، فى تأويل جديد، بالقرآن الذى يعلن مسئولية بنى إسرائيل عن نشر “الأتونية” فى مصر، حيث ذكر القرآن أنها كانت السبب فى الاضطهاد والتعذيب اللذين وقعا على بنى إسرائيل ومن اتبعهم من المصريين.

على كل، خرج بنو إسرائيل من مؤامراتهم بخفى حنين، فقد سقطت “الأتونية” وبعدها بسنوات قليلة سقط الملك “آى” زعيمهم فى مصر وانكشفت مؤامراتهم، فصاروا فريسة للاضطهاد حتى جاءهم الخلاص على يد موسى عليه السلام.

ميلاد فى زمن القتل:
ونصل مع “سرايا” إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من وجود بنى إسرائيل فى مصر، أو ما أسماه “عصر الانتقام والاستبعاد”، حيث اكتشف “حور محب” مؤامراتهم، فنكل بهم شر تنكيل، حتى الأطفال الذكور لم يسلموا منه. وفى هذه الآونة ولد موسى، ومن ثم خافت عليه أمه فوضعته فى “سفط” حيث حمله النهر إلى بيت الفرعون، إلى آخر ملابسات القصة المعروفة.

المهم أن مظاهر التعذيب اقتصرت، بعد حور محب، على استعباد بنى إسرائيل وتسخيرهم فى صناعة الطوب وأعمال البناء وتشوين الغلال واستمروا كذلك حتى خرجوا من مصر. ولأن هذه المرحلة قد ورد الحديث عنها فى المصادر الدينية، فإن سرايا، كما يقول، يقصر حديثه على تحقيق “زمن” الرحلة. وطبقا لما انتهى إليه فإن بداية حكم الفرعون حور محب (1321 ق.م) هو تاريخ بدء تعذيب بنى إسرائيل وأن رمسيس الثانى الذى انتهى حكمه فى العام 1213 ق.م هو أول الفراعنة المرشحين لحادث الخروج عند نهاية عهده.

واستخلاصا من الراوية الدينية وتأييد الوثائق، يقسم سرايا مرحلة التعذيب، وفقا لطبيعة الانتقام، إلى فترتين:

الأولى بدأت فور القضاء على حكم “آى” واعتلاء “حور محب” العرش. حيث قام الفرعون الجديد، بمعاونة الجيش، بالقبض على القادة والكهنة المؤمنين بعقيدة التوحيد وإعدامهم للقضاء على تلك الديانة التى استمرت 150 عاما، ومحوها من قلوب أتباعها.

والفترة الثانية، اقتصر فيها التعذيب على تسخير بنى إسرائيل فى صناعة الطوب وأعمال البناء للملك، وقد استمرت فى عصر سيتى الأول ورمسيس الثانى.

من هو فرعون الخروج؟
ويورد الكاتب، بعد ذلك الآراء التى تجعل خروج بنى إسرائيل من مصر فى “عصر الأسرة الثامنة عشرة” أو التى تجعلها فى الأسرة التاسعة عشر. ثم يتساءل ما إذا كانت حياة موسى عليه السلام، من ميلاده حتى خروجه مع قومه، قد عاصرت فرعونا واحدا أم أكثر من فرعون.

ولمعرفة الإجابة، يعود، كعادته، إلى القرآن والتوراة.

التوراة تفرق بين فرعون الميلاد وفرعون الخروج، بينما يتحدث القرآن عن فرعون دون تحديد شخص بعينه، لكن سرايا يستخرج من القرآن أدلة تسوق فى اتجاه التطابق بين التوراة والقرآن فى هذا الشأن ومنها:

أولا – هامان، يذكر المؤلفون أن تلك الشخصية وردت فى القرآن نحو ست مرات ذكر المؤلف تلك الآيات مبينا ما ذكر فيها هامان قبل ميلاد موسى وتلك التى نزلت بعد ميلاده عليه السلام، وتؤدى تلك الآيات مجتمعه معنى واحدا وهو أنه كان واحدا من المقربين من الفرعون والذين يثق فيهم ويعتمد عليهم، ثم يورد المعنى المقصود من الكلمة فى حد ذاتها ويذكر أن هذا اللقب بدأ فى التداول فى عصر الدولة الحديثة من عهد الأسرات.

ثانيا- امرأة فرعون،  يرى المؤلف أن امرأة فرعون هى السيدة (موت نجمت) وهى زوجة ذلك الفرعون الذى حكم مصر وقت ميلاد موسى وهو – كما أسلفنا – الفرعون (حور محب) وذلك على الأرجح كما يذكر المؤلف أنها بنت الملك (آى) وأخت نفرتيتى زوجة زعيم الموحدين الملك إخناتون. ويذكر المؤلف أن هناك ثلاث سيدات زوجات لفراعين حكموا مصر فى الفترة التاريخية محل البحث، ويبدأ فى ذكر الظروف المحيطة بكل واحدة منهن حتى يصل إلى اعتقاد جازم بأن ملكة فرعون الميلاد هى تلك الملكة (موت نجمت) وأن الأخرى زوجة فرعون الخروج (رمسيس الثانى) هى السيدة (إيزيس نفرت). وجدير بالذكر الإشارة إلى دقة المصادر التى استقى منها المؤلف معلومات.

اقرأ أيضاً  الهوى المصري كما عاشه الكتاب المغاربة

ثالثا – مؤمن آل فرعون، وهو ذلك الرجل الذى وقف أمام فرعون مدافعا عن موسى عندما دعا فرعون إلى عبادة الله. ويتخلص المؤلف، من خلال عرض الآيات الصفات الواردة فى حق ذلك الرجل إلى أنه الأمير (خعمواس)، وأنه بمطابقة تلك الصفات على المعاصرين لفرعون الخروج وجد أنها لا تنطبق إلى على ذلك الشخص المشار إليه.

ثم يتعقب الكاتب موسى قبل خروجه إلى مدين وأثناء إقامته فيها والعودة منها نبيا، وهذه المراحل التى اجتازتها حياة موسى، كما فصلها القرآن، تجعل الكاتب يتفق مع راوية التوراة بشأن تجاوز موسى الثمانين عاما عند الخروج، وإن لم يتفق مع التوراة فى أن موسى عاد من مدين وخرج ببنى إسرائيل فى ذات العام وذات العمر.

لماذا خرج بنو إسرائيل من مصر:
على أن السؤال الأهم الذى يطرحه الكاتب، غير مرة، هو.. بعد أكثر من ثلاثة قرون على إقامة بنى إسرائيل فى مصر.. لماذا تعرضوا للانتقام، وهو أمر غير معهود فى أخلاق المصريين.

التوراة تبرر هذا الاضطهاد بأن ملك مصر الجديد كان يخشى بنى إسرائيل الذين أصبحوا شعبا كثيرا وعظيما، ولم يعد يأمن جانبهم من أن ينضموا إلى أعداء مصر فى حالة الحرب، لكن ذلك، ينفى سرايا، ليس صحيحا، فالإسرائيليون، مقارنة بالمصريين، كانوا “شرذمة قليلة”، والحرب ضد إخناتون وأتباع عقيدة التوحيد لم تكن، فى حقيقتها، حرب كثرة ضد قلة، أو صراعا دينيا ضد هذا المذهب بحد ذاته، بل كانت صراعا سياسيا واقتصاديا لاستعادة نفوذ الكهنة المسلوب وممتلكات المعابد وأموالها التى صادرها إخناتون.

دولة على أرض الميعاد:
ويستطرد الكاتب أن الخطر الذى كان فرعون الخروج “رمسيس الثانى” يواجهه، لم يكن هو العقيدة التى يدعو لها موسى، بل الدعوة التى دأب بنو إسرائيل على ترديدها علانية وهى العودة إلى كنعان. موطن الأجداد وأرض الميعاد لإقامة دولتهم هناك. وتلك قضية جوهرية بالنسبة لمصر، لأن كنعان مصرية وهى أهم مستعمرة تحمى حدود مصر الشمالية، ولهذا رفض فرعون، وظل، لآخر وقت، مصرا على منعهم من الخروج، رغم ما أصاب مصر من نوائب كان فرعون يعتقد أن وراءها السحر الأسود الذى يأتى به موسى.

ثم يسأل سرايا، ختاما، لماذا لم يندمج الإسرائيليون فى المجتمع المصرى، والإجابة.. لأنهم، ببساطة، لم يكونوا، لا أمس ولا اليوم ولا غدا، قادرين على ذلك. عنصريتهم التى جعلوا منها “توراة” تمنعهم من أن يساووا رؤوسهم ببقية خلق الله.

وهذا الكتاب، فى التحليل النهائى، مسمار جديد فى نعش “التوراة” التى ألفها الكهنة، أو فصلوها، على مقاس “شعب الله المختار”!!

ويقع الكتاب، كما سبقت الإشارة، فى 5 أبواب، يقسم الكاتب كلا منها إلى فصول:

الباب الأول:
يسلط الضوء على مسرح الأحداث ودورة الحضارة المصرية وعلاقاتها بالشرق القديم، وذلك عبر فصلين يتناول فى الفصل الأول مسرح الأحداث بين مصر وما حولها من أماكن ذات صلة بالمسرح الرئيسى للأحداث (مصر الأرض والنهر والشعب)، وفى الفصل الثانى يدرس دورة الحضارة المصرية وعلاقاتها بالشرق القديم حيث قسمت إلى ثلاث فترات مصر، من التأسيس والازدهار إلى الاحتلال والتحرير، ثم من قمة الإمبراطورية إلى بداية الاضمحلال، ومن الاضمحلال إلى سقوط الحضارة الفرعونية وانقسام البلاد، لتنتهى بذلك إمبراطورية من أعظم الإمبراطوريات التى عرفها التاريخ البشرى.

الباب الثانى:
يأتى الباب الثانى على سيرة بنى إسرائيل بدءا من الآباء الأوائل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام، مرورا بموسى، وهنا يتوقف المؤلف ليسرد لنا قصة سيدنا موسى ببعض التفصيل منفردا له بفصل كامل باعتباره أهم شخصية فى حياة بنى إسرائيل، فهو رسولهم ومخلصهم مما عانوه من اضطهاد على يد فرعون وأذنابه. متطرقا إلى الحديث عن سنوات التيه لبنى إسرائيل فى صحراء سيناء، ثم بنى إسرائيل بعد موسى، من خلال ثلاثة فصول تتبع حياة بنى إسرائيل بين مصر وأرض كنعان بعد أن برأهم الله من التيه وخروجهم مع طالوت لملاقاة الجبابرة فى أرض فلسطين.

الباب الثالث:
يعرض المؤلف فى هذا الباب نتائج من الدراسة الدينية والتاريخية، فيفصل الكلام فى الفصل الأول عن الركائز الأساسية للبحث، وفى الفصل الثانى يحقق فى تاريخ بنى إسرائيل إلى مصر مفندا للكثير من الآراء التى تعرضت لهذه المسألة، ثم يحدد فى الفصل الثالث النطاق الزمنى للبحث (عصر الدخول وعصر الخروج وانتهاء النطاق الزمنى للبحث بوفاة الملك سليمان). أما الفصل الرابع فيربط بين الرواية الدينية والأحداث التاريخية التى ذخرت بها تلك الفترة.

الباب الرابع:
ويأتى الباب الرابع ليقسم، عبر 3 فصول، المراحل التاريخية لحياة بنى إسرائيل فى مصر إلى: عصر رسالة يوسف والمد الإسلامى، ثم المؤامرات الإسرائيلية مسلطا الضوء على حيلهم وخداعهم للوصول إلى أهدافهم مهما كان الثمن وأيا كانت الوسيلة منتهجين مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، ثم يستعرض المرحلة الأخيرة.. عصر الانتقام والاستعباد وهنا يعرض المؤلف ما حاق ببنى إسرائيل من أذى واستعباد وتسخير فى الأعمال الشاقة لفترة تناهز القرن جزاء لمؤامراتهم.

الباب الخامس
وفى الباب الأخير يتناول الكتاب الأدلة التى يقدمها على استنتاجاته وبعض الشخصيات التى وردت بالقصة الدينية، ، وكان لها دور فى توجيه الأحداث مثل فرعون الميلاد وفرعون الخروج و هامان وامرأة آل فرعون ومؤمن آل فرعون ، ثم تأتى الخاتمة لتثير قضية الميراث وأرض الميعاد من خلال عرض عام لتلك القضية فى الروايتين القرآنية والتوراتية. وفى النهاية يعرج المؤلف على بعض القضايا التى تبين مدى عنصرية بنى إسرائيل والتى تتجلى بشكل كبير فيما كتبه كهنتها فى التوراة وما ألحقوه بها.
وهكذا تنتهى تلك الرحلة الطويلة بين صفحات هذا العمل بتوضيح العديد من الحقائق ونفى كثير من الخرافات والأساطير التى أحاطت بنى إسرائيل.

 

مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع

الوسوم: