/علم الإجتماع السياسي في مقاربة ابستمولوجية عربية

علم الإجتماع السياسي في مقاربة ابستمولوجية عربية



يعدّ الدكتور إبراهيم أبراش واحد من أبرز علماء الاجتماع العرب؛ ولئن جعل منه الهم الفلسطيني جعل منه كاتبا مواضبا ومنشغلا بكل مفاصل الحياة السياسية الفلسطينية.. فإنه سجل الأعمال التي ألفها الدكتور أبراش يدلّ على أنه رجل ثقافة ومعرفة عريضة الحدود.
أما كتابه “علم الإجتماع السياسي: مقاربة ابستمولوجية ودراسة تطبيقية على العالم العربي” فإنه الأول من نوعه من عدة وجوه.

يقول الكتاب الفلسطيني الدكتور أبراش أنه “بعد عقود من استقلالية علم السياسة وجهود علماء السياسة المتواصلة لبلورة مجالهم المعرفي والتنظيري والمؤسساتي الذي يمكّن علم السياسة من الإحاطة العلمية الناجحة لدراسة وفهم الظواهر السياسية، وصل علم السياسة إلى ما يشبه الأزمة التي تعززت بسبب التطورات المتلاحقة في الحقل السياسي وتعدد وتشعب نماذج السلوك السياسي والنظم السياسية بين الدول، وعدم قدرة التنظيرات الجاهزة لعلماء السياسة ولمناهجهم التقليدية على تمثّل هذه النماذج والمتغيرات السياسية، وتقوقعهم حول مزاعم العلمية والعالمية لمقولاتهم وتنظيراتهم والزعم بأنها تتوفر على قدرة شمولية للإحاطة بكل الظواهر السياسية”.

ويستطرد أبراش في مقدمته للكتاب “إلا أننا نعتقد بأن الأزمة الحقيقية تكمن في تزايد القناعة لدى علماء السياسة بصعوبة فهم الظواهر السياسية والإحاطة بأوالياتها دون الرجوع إلى البنى الاجتماعية التي تتفاعل فيها ومعها هذه الظواهر، فكان لزاما على علماء السياسة العودة مجددا إلى المجتمع وإلى البحث عن أواليات (السياسي) في (الاجتماعي)، ودراسة الظاهرات السياسية ضمن أبعادها الاجتماعية، فكان علم الاجتماع السياسي هو الإجابة العلمية على هذه الأزمة، التي أثيرت في مجال علم السياسة والتي سبق وأن أثيرت قبل ذلك في مجال علم الاجتماع من حيث ادعائه قدرة شمولية على دراسة كل الظواهر الاجتماعية”.

ويقول إنه “لعقود طويلة وعلماء السياسة الغربيون والشرقيون -نسبة إلى المعسكر الاشتراكي سابقاً- يضفون صبغة الشمولية والعالمية على تنظيراتهم ومقولاتهم السياسية، وينطلقون في تعاملهم مع الظواهر السياسية من منطلقات قانونية ومؤسساتية. وقد تأثر علماء السياسة في دول العالم الثالث بهذه التنظيرات وقاموا بنقلها ومحاولة توظيفها على مجتمعاتهم، فكانت النتيجة فشلا ذريعا في تمثلها فبالأحرى في تطبيقها على أرض الواقع وقدرتها على التعامل مع مشاكل هذه المجتمعات”.

اقرأ أيضاً  "الابنة الغامضة" رواية جديدة لإيلينا فيرّانتي

ويشير أبراش الى “إن موطن الخلل لا يكمن في النظريات والتعميمات التي قال بها علماء السياسة في الغرب أو في الشرق، ولكن الخلل يكمن في عدم الأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي الذي أقّحمت عليه هذه النظريات والتعميمات. فمن المعلوم أن أية نظرية أو إيديولوجيا تدعي العلمية إنما تستمد علميتها من كونها صياغة عقلية ناتجة عن ملاحظة واقع اجتماعي/ سياسي ما، قامت بتحليله اعتمادا على قواعد المنهج العلمي، فكانت هذه النظريات هي الخلاصة، بمعنى أن علميتها تكمن في انطلاقها من الواقع وإجابتها عن تساؤلاته وقدرتها على التكيف مع تحولاته والتعامل مع بنياته العميقة. أما إذا انتزعت هذه النظريات والتعميمات من سياقها الاجتماعي وحاولنا تطبيقها على سياقات اجتماعية/ سياسية مغايرة فلا ضمانة بأنها ستحافظ على علميتها، لأنها ستكون نظريات وإيديولوجيات مغتربة عن الواقع وعاجزة عن الإجابة على تساؤلاته”.

ويتناول الكتاب، الصادر عن دار “اي كتب للنشر، المتغيرات الجديدة وخصوصا في العالم العربي، بل ويمكن القول إنه يقدم أول محاولة جادة لفهم طبيعة الثورات العربية ضد أنظمة الفساد والإستبداد.

وعلى هذا الأساس فقد جمع ما بين جانب الابستملوجيا وجانب التطبيق من خلال الحالة العربية، كما زاوج بين تعريف المادة وأكثر المناهج إتباعا في تحصيل معرفتها، مبينا في نفس الوقت الصعوبات التي تواجه الباحث في علم الاجتماع السياسي وهي صعوبات تشاركه فيها العلوم الاجتماعية الأخرى، والتي تتعلق بطبيعة العلم الاجتماعي من ناحية وبشخص الباحث ومحيطه الاجتماعي من ناحية أخرى.

يتألف الكتاب من نحو 330 صفحة. ويضم فصولا تشمل:

ـ علم الاجتماع السياسي: مقاربة مفاهيمية
ـ النخبة السياسية
ـ المجتمع المدني
ـ التنشئة السياسية
ـ المشاركة السياسية
ـ الديمقراطية والمشاركة السياسية في العالم العربي
ـ الأصولية والعلمانية بين السياسة والدين
ـ العنف السياسي بين الإرهاب والمقاومة
ـ الثورة في عالم متغير

اقرأ أيضاً  ذاكرة الأشياء – فصول من سيرة ذاتية

ويضم كل فصل من هذه الفصول عدة مباحث نظرية وتطبيقية، ففي الفصل التاسع على سبيل المثال يمكن قراءة المباحث التالية:

ـ في فقه الثورة
ـ مقاربة مفاهيمية لمصطلح  الثورة
ـ مفهوم الثورة في الفكر الإسلامي
ـ الثورة نقطة تحول في تاريخ الشعوب
ـ الثورة  ليست انقلابا عسكريا ولا هيجانا شعبيا
ـ سسيولوجيا الثورة في العالم العربي
ـ ماضي العالم العربي: (ثورات) بدون ثورة  وانقلابات دون تغييرات
ـ الثورتان التونسية والمصرية واستحضار الثورة في عالم متغير.
ـ تجديد الثورة على أسس وطنية ديمقراطية
ـ الثورات العربية ومخاطر الاستنساخ
كتاب “علم الإجتماع السياسي…” عمل شديد الغنى بالنسبة لطبيعته العلمية، ولكنه واحد من أعمال سيسيولوجية قليلة التي تمكنت من جعل علم الإجتماع قريبا من الجميع، وقادرا، بسبب من غناه، على أن يعطي الكثير لقارئه.