/شهية طازجة

شهية طازجة



عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة، صدر للإعلامية والشاعرة والتشكيلية “رنا جعفر ياسين” مجموعتها القصصية “شهية طازجة”.
“شهية طازجة” هي المجموعة القصصية الأولى لـ رنا جعفر ياسين، بعد أن صدر لها من قبل أربع مجموعات شعرية، ونص مسرحي. تقع المجموعة في 104 صفحة من القطع المتوسط، لوحة الغلاف من الأعمال التشكيلية للمؤلفة. تضم المجموعة 21 نصًا قصصيًا، مقسمة إلى قسمين: بوصلةٌ للصراخ.. بوصلةٌ للصدى/ اللحظة الأولى لمخاض التوت.
تبدو قصص “شهية طازجة” مثقلة بنار العيش الشائك، الذي ترفرف في فضاءاته رايات الموت، وتجعل البشر والطبيعة مجرد قتلى مؤجلين ينتظرون لحظة سقوط مقصلة الذبح القاسية.
جاءت النصوص أقرب إلى شهادات روحية بالغة التعبير عن مأزق وجودي من نوع مختلف، لا يتعلق هذه المرة بعذابات فكرية وفلسفية، بل باستحالات واقعية تتحول معها مصائر البشر إلى ضرب من المصادفات يحددها القتل الوحشي ويرسم خطوطها على النحو الطافح بالمرارات، ليصبح الإبداع مسوقًا بكليته نحو محاولة ما لمقاومة الموت، بالكتابة المفتوحة على نزف الروح وجروحها.

والموت في المجموعة ليس لافتة ترفعها الكاتبة، بل هو مناخ إنساني يزدحم بالأسود الذي يصبح لون الحياة اليومية ولون الحرف على حد سواء.
مرارة هذه الشهادات وقسوتها تبدو أشد فداحة إذ تأتي من حدقة أنثوية ترى الأشياء والفجائع والصور المرعبة بروح أخرى تحمل شفافية أكثر بلاغة في تصوير ترددات صرخات الموت.

تقف رنا جعفر ياسين بين حدّي الموت والحب فتبدو راية تهزّها الريح العاصفة، إذ يدفعها القتل اليومي الذي أطبقت شفرته على رقبتها في بغداد؛ ليجعل نصوصها مرثيات للذات ومرثيات للواقع وللآخر، للطبيعة والتاريخ واليومي، نصوصًا مكللةً بالحزن ومثقلة بحنين حاد وجارح…
وبين الوجعين.. ترتسم الغربة ذاتها.. ويبدو الخلاص شبيهًا بالعنقاء، تطارده في الحلم والصحو.. وكلما توهمت بالامساك به تفتح يديها على حفنة من أوجاع أخرى.

اقرأ أيضاً  “رحلة الشتات والصين” للكاتب عدنان جبار الربيعي

تفتح القراءة المخيلة على عالم من عنف النص ونص العنف، إذ ينتبه النص إلى عوالم شبه كابوسية تختلط بالأحلام البسيطة، المفعمة بالخيبات والمثقلة بمشاعر الخوف. والكاتبة هنا وتؤثر اللغة المتوترة لأنها شبيهة ذلك القتل العاصف وحاملة سرّه، تكتب رنا جعفر ياسين ذلك بلغة خالية من الخطابة، لا يثقلها الادعاء أو الاستعراضية، لغة شعرية تمزج “السرد” اللاهث والمحموم بالرؤية الطالعة من شقوق المخيلة، ولا تتنازل عن نبض القلب، فتستعير من هناك بلاغة بوح أنثوي شفيف، يعبر عن أسى الروح وعن بكاء داخلي ونشيج.

نجحت الكاتبة في الإحاطة بذلك المناخ البالغ الواقعية وتحويله جزءًا حيويًا من فاعلية تجربتها الخاصة؛ تجربة تعصف في سطورها حروب وآلام وهواجس أنثوية وأحلام شفيفة، تناوشها حدقة شعرية يقظة، بحس جمالي يجعل النص قريبًا من القلب والروح.

على الغلاف الخلفي للمجموعة نقرأ:

( عندما يرتد عليك صراخ الذات وأحلامها
اشته الحياة
وارغب في لحظة ولادة
اغوها بالصبر
وأتقن الإرادة
فمثلما للتوت لذة ، للفرح مذاق طازج يشبه الحكاية الأم
لذا عشها بمذاقٍ منتظر
ودوّن ما أنت فيه ، أو ما كنت عليه
لتولد من جديد بشهية لا تنكسر أبدا.. ).