/صورة المرأة في أفلام نجدة إسماعيل أنزور

صورة المرأة في أفلام نجدة إسماعيل أنزور



قدمت السينما السورية العديد من الأفلام استطاعت من خلالها ن توجد لها مكانا في السينما العربية.وقد أنتج القطاعين العام والخاص الكثير من العمال المميزة كان على رأسها مخرجون لهم بصمتهم الخاصة ومنهم نبيل المالح وبلال الصابوني وخالد حمادة وغيرهم.

ولعل المتابع للسينما السورية يلاحظ ارتباطها أيضا بالنصوص الأدبية التي شكلت لها رافدا هاما ،مكنها من تقديم أعمال مميزة منها فيلم –السكين-لخالد حمادة عن رواية الكاتب الفلسطيني-غسان كنفاني-.

إن نجاح الفيلم كما معروف تساهم فيه عوامل كثيرة، يأتي في مقدمتها النص الجيد والمخرج الممتاز الذي يمتلك حرفية عالية وتحكما كبيرا يمكنانه من إخراج الفيلم في أحسن صوره. ومنه فإن نجاح الفيلم لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة لعمل شاق ومتقن.

لقد عرفت شهدت الفترة المعاصرة بروز مجموعة من المخرجين السوريين الذين منحوا للسينما وللدراما السوريتين أعمالا تؤكد مجد الفن في سوريا. وان كانت السينما السورية مازالت تحاول إيجاد مكان لها على الساحة الفنية،فإن الدراما قد حققت غايتها وصارت تنافس الدراما المصرية الرائدة في الوطن العربي.

ولعل من المخرجين الذين تعرفهم الساحة الفنية اليوم، المخرج-هيثم حقي-،و-حاتم علي-و-نجدة إسماعيل أنزور-هذا الأخير الذي تميز بإخراج المسلسلات التلفزيونية التي لاقت نجاحا كبيرا وخاصة منها التي تناولت عالم الفنتازيا والخيال كمسلسل –الجوارح-عن قصة السيناريست المميز-هاني السعدي-.

خلال ثلاثة أسابيع قدمت الفضائية اللبنانية LBC ثلاثة أفلام للمخرج-نجدة إسماعيل أنزور-هي:

-دموع مرام.
-حكاية ع الطريق.
-قوارير أخرى.

الأفلام الثلاثة تصور عالم المرأة مع اختلاف الموضوع المطروح، فقد كان الفيلمين الأول والثالث يتناولان موضوعا متشابها في حين اختلف الفيلم الثالث قليلا دون أن يخرج عن موضوع المرأة.

-دموع مرام- تناول المرأة المقهورة من طرف الزوج، ممثلة في –مرام-مديرة المدرسة ،المثقفة،الناجحة في عملها إذ تعيش بشخصيتين منفصمتين.فهي في المدرسة المرأة القوية التي تحظى باحترام الجميع،وهي في البيت المرأة العادية المقهورة جدا والتي تستسلم لزوجها ليضربها كلما عاد إلى البيت وهو في قمة سكره.فهو يتناول الخمر أمام ولده دون أدنى شعور بالمسؤولية.يطالبها ببيع البيت الذي قدمه لها والدها قبل موته حتى لا يظلمها أخواها.تتواصل حياة-مرام- تحت وطأة القهر والذل الذي يسقيه لها زوجها دون أن تتجرأ على إخبار أحد أو التبليغ عنه بعدم التعرض لها وذلك خوفا من المجتمع ومن فكرة أن تكون مطلقة في مجتمع شرقي.

اقرأ أيضاً  ما هو تنظيم "داعش"؟

فباسم المجتمع تظل المرأة رهينة خوفها وخجلها من أن تكون لها حقوقها في عيش كريم.انه الضعف الذي تتوارثه المرأة العربية جيلا بعد جيل.فلا الثقافة العالية ولا الشهادة ولا الاستقلال الاقتصادي ساهم في منع المرأة من الظهور في صورة أدنى من صورة الرجل.إنها الصورة الدائمة التي قدمت بها السينما العربية عموما المرأة.

غير أن –إسماعيل أنزور- قدم الحل في نهاية الفيلم وهو إلى حد ما حل مغاير إلى ما كان سائدا.فقد امتلكت-مرام-الشجاعة أخيرا لتتقدم إلى قسم الشرطة وتقدم بلاغا في زوجها بعدم التعرض لها وعدم دخوله إلى بيتها.لقد تأخر القرار لكنه جاء في نهاية الفيلم ليبرز التطور الفكري الذي وصلت إليه المرأة العربية.الفيلم كان من بطولة-عباس النوري- الذي أتقن الدور إلى حد بعيد،و-لورا أبو أسعد-التي استطاعت أن تتقمص دور المرأة المستضعفة.

أما الفيلم الثاني -قوارير أخرى- فقد طرحت فيه الكاتبة-هالة دياب-الموضوع ذاته.إنها المرأة في عالم يحكمه الرجل.الرجل /الزوج،والرجل/الابن والرجل/التاجر.

القوارير في هذا الفيلم، ضعيفة ومطحونة تحت وطأة الرجل من جهة والفقر من جهة أخرى.

يقوم الفيلم على حكايات لنساء عديدات وان اختلفت ظروفهن.فالأولى-شادية-التي يتحكم ابنها بتصرفاتها بعد وفاة والده، ويستمر عنفه ضدها وضد أخته التي يمارس عليها عنفا جسديا لكنها تظل مستسلمة له.تحاول الأم الزواج ومرة أخرى يجابه الابن إرادتها وبعد أن يتحقق الزواج تجد نفسها مرة أخرى في موقف الضعف إذ يرفع ضدها الابن دعوى بالتعرض للعنف الجسدي منها مما يجعل الزوج يطلب من الابن سحب الدعوى ويقبل الابن شريطة أن يتم طلاقه من والدته.

والثانية هي الخادمة البسيطة التي يطلقها الزوج ويظل يلاحقها في المحاكم رغم علمه بحالتها المادية المزرية. وتحت وطأة الفقر والإحساس بالمهانة، تضيع ابنتها في البحث عن مستوى معيشي أفضل وذلك بالسهر في أماكن مشبوهة لأجل تصيد الرجال والاستفادة من جيوبهم.تدفعها الظروف القاسية أكثر إلى هجر بيت والدتها والارتماء في أحضان هذا الجو الفاسد.

والثالثة، امرأة تقع في حب رجل تظل بحياته الرقم الأخير بعد أسرته.يمارس عليها عنفا من نوع آخر، يتمثل في قهره لها وجعلها مجرد تابع.

اقرأ أيضاً  مخيم اليرموك يقاوم الموت بالفن والشعر

وبمقابل هذه الشخصيات النسائية السلبية والتي يتواصل صراعها مع الرجل في أشكاله المتعددة، تبرز شخصية نسائية ايجابية ممثلة في-ماجدة- الصحفية.غير أن ايجابيتها تنهار أيضا أمام الظرف الذي وجدت نفسها فيه بعد مقتل زوجها على يد جماعة باسم الإسلام.

يتحول ابنها من شاب جامعي ناجح إلى مدن كحول وسهرات بعد موت والده واقتناعه بأن الإسلام هو السبب ليصب جام غضبه على هذا الدين الذي صار يكرهه.
المرأة في هذا الفيلم ورغم موقفها السلبي منذ بداية الفيلم، إلا أن الأمر لا يستمر كذلك.فتتغير المواقف بدءا من الأم-شادية- التي تقرر التخلص من قهر الابن واصطحابه إلى مكان خارج البيت ومطالبته بعدم العودة إلى البيت مطلقا.وان كان الحل ليس جذريا إلا أنه يبقى حلا تتخذه الشخصية النسائية.كما تقرر ابنتها بعد خوفها وترددها بأن تتخلى عن سلبيتها.

أما الصحفية-ماجدة- فتقرر الكتابة، لشرح الموقف وتحسين الصورة المشوهة عن الإسلام.كما تأخذ ابنها قرب مسجد لتؤكد له أن الإسلام لم يكن يوما إلا دين سلم ومحبة.

بينما تعود الابنة الضالة إلى حضن والدتها بعد محاولة اغتصابها من طرف أحد أولئك الذين كانت تتودد إليهم في البارات.وتتمكن الأخرى من طلب الطلاق بعد رحلة عذاب طويلة بعد أن تأكدت أن ذاك الرجل لن يتغير.هكذا تنتهي حكايات النساء في هذا الفيلم الذي سلط الضوء على بعض ما تعانيه المرأة في المجتمعات العربية، خاصة القهر الذي ما يزال يطبع حياة الكثيرات.

فيلم –قوارير أخرى- الذي مثلته وجوه فنية معروفة من أمثال-نادين- و-أماني الحكيم-و-مي سكاف-وغيرهن،تمكن من إبراز حقيقة المرأة حين تهزمها الظروف وتتحكم بمصيرها، لكنها ما تلبث أن تثبت قدراتها في اتخاذ القرار.

أما الفيلم الثالث فقد جاء تحت عنوان-حكاية ع الطريق-.طرح قضية نسائية من جانب مختلف. إنها المرأة حين تخطئ وتخاف من مواجهة خطأها.

ثلاث نساء صديقات، محامية وصيدلية وبائعة. يتسببن عن غير قصد في حادث مرور، إذ تصدم الصيدلية صاحبة السيارة ليلا رفقة صديقتيها شابا وبدل إسعافه يتركنه مغشيا عليه، غارقا في دمه.

ترجو المحامية صديقتيها بإسعافه لكنهما ترفضن ويغادرن المكان.يصاب الشاب بغيبوبة طويلة بعد إسعافه من طرف طبيب يصادفه في الطريق ويكون نتيجة ذلك فقدانه لوالدته التي كان في طريقه لإحضار المال لإجراء عملية لها.

اقرأ أيضاً  « الربيع العربي » خريف طويل للناشر السوري

تعيش المحامية حالة من التعب النفسي وهي تسعى في محاولاتها لإقناع صديقتيها بالذهاب إلى التبليغ أو حتى السؤال عن الشاب، لكنها تقابل بالرفض منهما.تتذرع كل منهما بحالتها الاجتماعية.فواحدة تخشى أن تفقد خطيبها والأخرى تخشى على مركزها.وتنتهي المحامية إلى اعتزال المحاماة اقتناعا منها بأنها لا تصلح لهذه المهنة لأنها تحتقر نفسها ولا تجد مبررا لتصرفها تجاه المشكلة.في حين لا تشعر الصديقتين بأي ذنب ويصل الأمر بهما إلى مقاطعة صديقتهما لقرارها بالاعتراف بالجريمة.

يصحو الشاب من غيبوبته في بيت الطبيب وابنته. ويقرر بعد شفائه أن ينتقم منهن، لكنه لم ينس صورة المحامية وهي تصرخ فيهما بنقله إلى المستشفى وقد رفضتا.وبعد الكثير من الرعب الذي سببه للاثنتين يصل إلى المحامية التي تكون قد اكتشفت أنه هو الفاعل وأنه يريد الانتقام منهن.

تستقبله وتزوره وتؤكد له أنه شاب مثقف وأنه عليه ألا ينساق وراء مشاعر الغضب والانتقام لأنه سيضيع حياته لأجل ذلك وأن ما سببه من رعب للفتاتين كاف.

ينتهي الفيلم باقتناع الشاب وتوقفه عن الأذى.

لقد عرض المخرج بعض الحالات النسائية حين لا تتجرأ المرأة على البوح بجريمتها خوفا من المجتمع.

لكن هل دوافع المرأة في هذه الحالة هي نفسها دوافع الرجل ؟.ربما هذا ما نبه إليه المخرج، ففي الكثير من الأوقات تقف المرأة في موقف الخوف أو الخجل من الذهاب إلى مركز الشرطة حتى ولو تعلق الأمر بحياتها أو حياة الآخرين.

أخيرا، يمكن القول بأن المخرج-نجدة إسماعيل أنزور-يظل من المخرجين المميزين من حيث قدرته على الوصول إلى أجمل صورة يمكن تقديمها إلى المشاهد، من خلال فنيته العالية وتمكنه من مهنة الإخراج. كما يظل صاحب المسلسلات الفنتازية من أولئك الذين تميزوا بقدراتهم وبصمتهم الخاصة ليس فقط من حيث الإخراج ولكن أيضا من حيث اختيار النصوص التي تطرح قضايا تمس الإنسان بصفة عامة والمرأة بصفة خاصة.

كريمة الإبراهيمي